Uncategorized
أكل عرق الضعيف جريمة أخلاقية بقلم/ علاء الدين محمد أبكر

أكل عرق الضعيف جريمة أخلاقية
بقلم/ علاء الدين محمد أبكر
من أخطر ما يصيب المجتمعات أن يتحول الظلم إلى عادة، وأن يصبح أكل حقوق الناس سلوكاً يومياً لا يستفز الضمير. ومن أقبح صور هذا الظلم أن يأكل القوي عرق الضعيف. أن يمد يده إلى مال هو ثمرة تعب غيره، ويعلم أنه لا يستحقه، ثم يبرر لنفسه ذلك بألف مبرر.
هناك من يستمتع بهضم حقوق الآخرين. صاحب عمل يعلم أن العامل يستحق أجراً أكبر، لكنه يتعمد أن يعطيه النصف. تاجر يعلم أن صاحب البضاعة محتاج، فيبخسه في السعر. مدير يعلم أن الموظف أنجز فوق طاقته، لكنه يؤخر راتبه أو يخصم منه بحجة واهية. وهو في قرارة نفسه يعرف الحقيقة. يعرف أنه ظالم، لكنه يختار أن يظل ظالماً لأن “القليل” الذي حجبه اليوم سيتحول غداً إلى كثير في جيبه. هذا الفعل لا يدخل في باب التجارة ولا في باب الشطارة. هو انعدام أخلاق كامل. هو جريمة تمارس مع سبق الإصرار والترصد، لأن الظالم هنا لا يخطئ عن جهل، بل يخطئ وهو يعلم.
المؤلم أن تجد هذا الشخص نفسه أول الحاضرين في أماكن العبادة. أول من يتحدث عن الأمانة والصدق. أول من يرفع صوته بالنصيحة. لكنه يستخدم الدين والطقوس كقناع يخفي به وجهه. كأنه يريد أن يقول للناس: انظروا إلى مظهري ولا تنظروا إلى فعلي. وهذا النفاق أشد أنواع الظلم، لأنه يخلط بين المقدس والمدنس، ويجعل من القيم غطاء للسرقة.
كيف يغمض عينيه من سرق فرحة أسرة؟ كيف يأكل وهو يعلم أن في بيته مالاً محرماً؟ كيف ينام وهو يسمع في داخله صوت المظلوم يقول: “حسبي الله ونعم الوكيل”؟ الضمير الميت لا يتألم. لكن الحياة لا ترحم. فالمال الحرام لا يبارك فيه. يذهب في المرض، ويذهب في الخسارة، ويذهب في هم لا ينتهي. والأخطر أنه يورث للأبناء طبعاً، وللمجتمع مثالاً سيئاً.
قد يظن الظالم أنه في مأمن. أن القانون معه، وأن الصوت له، وأن الضعيف لا يستطيع أن يفعل شيئاً. لكنه ينسى أن الأيام دول. وأن الله يمهل ولا يهمل. اليوم أنت الذي تأمر، وغداً قد تصبح أنت من يُؤمر. اليوم أنت الذي تحجب، وغداً سيحجب عنك. ومن سقى الناس من كأس الظلم، سيسقى منها. قد يتأخر ذلك، لكنه آت لا محالة. فالدنيا دوارة، والموازين لا تميل طويلاً.
الحق ليس صدقة ولا منة من صاحب العمل للعامل. هو عرق ودم ووقت من عمر إنسان لن يعود. حين توقع على عقد فأنت توقع على أمانة. وحين تستأجر يداً فأنت تستأجر كرامة. فمن خان هذه الأمانة فقد خان نفسه قبل أن يخون غيره.
المجتمعات لا تنهض بكثرة الكلام عن الفضيلة، بل باحترام الحقوق الصغيرة. بأن يأخذ الأجير أجره قبل أن يجف عرقه. بأن تعطي كل ذي حق حقه كاملاً. بأن تتذكر أنك محاسب. أكل عرق الضعيف ليس شطارة. هو وصمة عار تلتصق بالإنسان حتى لو غسلها بماء البحر. فلنحذر. فما تأخذه اليوم بغير وجه حق، سيعود إليك غداً خسارة، وذلاً، وندماً.
علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com



