Uncategorized

قصة المرتب “أبو 44 مليون جنيه”.. نريد أن نعرف الحقيقة بكل شفافية بقلم/ علاء الدين محمد ابكر

قصة المرتب “أبو 44 مليون جنيه”.. نريد أن نعرف الحقيقة بكل شفافية

بقلم / علاء الدين محمد ابكر

انتشر في الأيام الماضية خبر مفاده أن راتب السيدة مديرة بنك السودان المركزي قد وصل إلى 44 مليون جنيه سوداني. رقم فلكي، صادم، جعل مواقع التواصل تضج بالنقاش، والمجالس تغلي بالتساؤلات.
وحتى لحظة كتابة هذه السطور لم يصدر من البنك المركزي بيان رسمي ينفي أو يثبت. وهنا تكمن المشكلة. فالصمت في مثل هذه القضايا لا يطفئ النار، بل يزيدها اشتعالاً. ومسؤولية إصدار الحقيقة تقع كاملة على عاتق البنك المركزي، لأنه المؤسسة المناط بها إدارة المال العام، والشفافية أول أدوات الإدارة الرشيدة.
وإلى أن يصدر ذلك النفي أو الإثبات، سنظل نعيش في دوامة من الحيرة والظنون. فإذا كان الرقم صحيحاً، فهذا يعني أن هناك خللاً كبيراً في سلم الرواتب والأجور. وإذا كان غير صحيح، فلماذا ترك الباب مفتوحاً للإشاعات أن تسرح وتمرح؟

لنقارن هذا الرقم بالواقع الذي نعيشه. البلاد تمر بظروف معيشية خانقة. الأسعار تقفز كل يوم، والدواء صار حلماً، والعلاج لمن استطاع إليه سبيلاً. وفي هذا المناخ، هناك شريحة كاملة أنهكها التهميش: المعلمون.
لقد تحولت مهنة التعليم من رسالة مقدسة إلى مهنة طاردة. صار المعلم يخرج من المدرسة ظهراً ليبحث عن “شغلة” أخرى مساءً. وآخر الأخبار المؤلمة التي هزتنا: وفاة معلم خلال الأسبوع الماضي إثر انهيار بئر للتنقيب عن الذهب في مناطق التعدين.
أي منطق هذا؟ ما الذي يدفع مربي الأجيال، صاحب الشهادة الجامعية، إلى أن يحمل “الكرك” وينزل إلى عمق الأرض يراهن بحياته؟ الإجابة واضحة وموجعة: البحث عن لقمة عيش كريم. البحث عن مرتب يسد رمق أسرته لشهر واحد فقط.
وهذا المعلم ليس حالة فردية. هو نموذج لآلاف الأسر السودانية التي تعيش اليوم بين مطرقة الغلاء وسندان الدخل الضعيف. أب لا يستطيع شراء الدواء لابنه، وأم تؤجل علاجها، وطالب يترك الجامعة لأن الرسوم أكبر من طاقة الأسرة.
فكيف لعقل المواطن البسيط أن يستوعب أن هناك “مرتباً” يعادل رواتب 200 معلم مجتمعة؟

السؤال عن راتب مديرة البنك المركزي ليس تطفلاً ولا حملة شخصية. إنه حق دستوري وأخلاقي. المال العام ليس ملكاً لشخص، بل هو أمانة في أعناق الجميع. وكل جنيه يُصرف من خزينة الدولة يجب أن يكون معلوم المصدر ومعلوم الوجهة.
لقد علمنا التاريخ كيف تكون المساءلة. في صدر الإسلام وقف رجل بسيط في مسجد رسول الله مخاطباً الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه قائلاً: “يا عمر، سمعناك وأطعنا، ولكن لا سمع ولا طاعة”. فسأله عمر: “ولم؟” فقال الرجل: “لأنك لبست ثوبين وكلنا لبس ثوباً واحداً”.
تخيل المشهد. خليفة المسلمين، وأمير المؤمنين، يقف ليوضح ويبرر. ولم يقل “من أنت لتسأل؟” ولم يأمر بجلده. بل قال بكل هدوء: “قم يا عبد الله بن عمر”. فقام ابنه وقال: “لقد أعطيت أبي نصيبي من القماش”. فاقتنع الناس وانتهى الأمر.
تلك هي دولة المؤسسات. دولة لا يغضب فيها المسؤول من السؤال، بل يرى في السؤال دليل عافية.

نحن اليوم لا نطالب بالمحاسبة قبل التوضيح. نحن نطالب بالتوضيح فقط. إذا كان الرقم 44 مليون غير صحيح، فعلى البنك المركزي أن يخرج ببيان عاجل يوضح هيكل الرواتب في البنك، ويضع حداً لهذا اللغط. وإذا كان الرقم صحيحاً، فعلى البنك أيضاً أن يوضح: ما هي المعايير؟ ما هي المبررات؟ وهل يتناسب ذلك مع سياسة الدولة في ترشيد الصرف وضبط الإنفاق في ظل هذه الظروف؟
الشفافية هي التي تصنع الثقة بين الحاكم والمحكوم. وغيابها يولد إحساساً بالظلم. وهذا الإحساس أخطر من الفقر نفسه، لأنه يقتل الانتماء.

قضية “المرتب أبو 44 مليون” ليست قضية شخص. هي قضية دولة. هي اختبار لمدى احترامنا لعقل المواطن، ومدى إيماننا بمبدأ “من أين لك هذا؟”
لا نريد أن يتحول المعلم إلى عامل منجم، ولا الطبيب إلى سائق “ترحال”، ولا المهندس إلى بائع خضار. نريد وطناً يكافئ أبناءه بالعدل، ويوزع الفرص بالمساواة.
ننتظر بيان بنك السودان المركزي. وننتظر أن تكون الإجابة شافية، واضحة، وشفافة. لأن تجاهل السؤال اليوم، يعني أننا سنسمع غداً عن رقم أكبر، وعن وجع أكبر.

وفي الختام.. من حق الناس أن تسأل، ومن واجب الدولة أن تجيب. فالوطن للجميع، والمساءلة للجميع.

علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com

مقالات ذات صلة

إغلاق