Uncategorized

ضرورة إعادة خدمة التأمين الصحي بقلم/ علاء الدين محمد ابكر

ضرورة إعادة خدمة التأمين الصحي

بقلم / علاء الدين محمد ابكر

قبل أن تندلع الحرب في السودان، كان التأمين الصحي يمثل شريان الحياة لملايين الأسر. لم يكن مجرد بطاقة بلاستيكية في الجيب، بل كان ضمانة بأن المرض لن يعني الإفلاس، وأن الدواء لن يتحول إلى حلم بعيد المنال.

التأمين الصحي نظام عالمي راسخ. تعمل به أكبر الدول وأغناها، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يعتبر العمود الفقري للرعاية الصحية. وفي السودان أثبتت التجربة أنها كانت ناجحة إلى حد كبير. نعم كان هناك قصور، وهنات إدارية، وصفوف، ونقص في بعض الأدوية. ولكن كل ذلك كان يمكن إصلاحه. لو وُجدت إرادة حقيقية وصغاء للشكاوى، لكان بإمكاننا اليوم أن نتحدث عن “النموذج السوداني” في التأمين الصحي كنموذج يُدرّس ويُحتذى به في أفريقيا.

ما الذي كان يقدمه التأمين الصحي؟ كان يحفظ التوازن المفقود أصلاً في معادلتنا الصحية. ففي مقابل مستشفيات خاصة فارهة لا يستطيع المواطن البسيط دخول بوابتها، كان هناك مركز صحي ومستشفى حكومي يستقبلك ببطاقة التأمين. تدخل بملاليم وتخرج بعلاج وفحوصات ومتابعة. كان الأب الذي يعمل بالأجر اليومي يستطيع أن يعالج أطفاله من الملاريا والتيفوئيد دون أن يبيع هاتفه. وكانت الأم تستطيع أن تضع مولودها في غرفة نظيفة بمساعدة قابلة مدربة بدل أن تلد في البيت.

أما اليوم وبعد توقف الخدمة، فقد انكشف المستور. وأصبح واضحاً لمن يدفع الثمن الحقيقي. أكثر المتضررين هم أصحاب الأمراض المزمنة. مريض السكري الذي كان يصرف الإنسولين وأشرطة القياس شهرياً عبر التأمين، أصبح الآن أمام خيارين: إما أن يشتري من الصيدلية الخاصة بسعر يفوق راتبه، أو أن ينتظر المضاعفات. مريض الضغط والقلب والكلى، ومريض السرطان الذي كانت جلسات الكيماوي مدعومة، كلهم عادوا لنقطة الصفر. صار العلاج لمن استطاع إليه سبيلاً.

لا أحد ينكر أن ظروف الحرب الحالية معقدة. مستشفيات خرجت عن الخدمة، وكوادر هاجرت، وإمداد دوائي انقطع، وميزانية الدولة منهكة. ولكن هل هذا مبرر لتأجيل ملف حيوي بهذا الحجم؟ العكس هو الصحيح. في أوقات الأزمات والحروب يزداد المرض، وتزداد الحاجة للرعاية. فالنزوح والاكتظاظ ونقص الغذاء والمياه النظيفة كلها بيئة خصبة للأوبئة.

لذلك فإن إعادة خدمة التأمين الصحي يجب أن تكون ضمن أولويات المرحلة الانتقالية والإعمار. ليس لأنها مطلب سياسي، ولكن لأنها مسألة بقاء. خدمة عاجلة للفقراء الذين لا يملكون بديلاً.

كيف نبدأ؟ لا ننتظر عودة كل شيء دفعة واحدة. يمكن البدء بتشغيل جزئي. إعادة فتح المراكز التي لم تتضرر في الولايات الآمنة. التركيز أولاً على “سلة الأمراض المنقذة للحياة”: أدوية السكري والضغط والقلب والفشل الكلوي، ورعاية الحوامل والأطفال، وبرامج التطعيم. إنشاء صندوق طوارئ دوائي بالشراكة مع المنظمات والخيرين. والاستفادة من تجربة “التأمين المجتمعي” في بعض المناطق التي نجحت أثناء الحرب في توفير الحد الأدنى من العلاج.

كما أن العودة يجب أن تكون مع تصحيح. نراجع الأخطاء السابقة: نضبط التمويل، ونحارب تسرب الأدوية، ونحسن تدريب الكوادر، ونربط النظام إلكترونياً حتى لا يكون المواطن رهينة لورقة تضيع. نجعل من بطاقة التأمين الصحي بطاقة كرامة، لا بطاقة إذلال.

التأمين الصحي ليس منّة من أحد. هو حق أصيل. وهو في النهاية استثمار. فالدولة التي تنفق على علاج مواطنها اليوم، توفر أضعاف ذلك غداً في الإنتاج. فالعامل المريض لا يبني، والطالب المريض لا يتعلم، والأم المريضة لا تربي.

في الختام، ستتوقف الحرب لا محالة، وسيبدأ الإعمار. ولكن أي إعمار نتحدث عنه ونحن نبنيه بأجساد منهكة وعقول متعبة تبحث عن حبة دواء؟
إعادة التأمين الصحي ليست خياراً. هي ضرورة وطنية وأخلاقية وإنسانية.

علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com

مقالات ذات صلة

إغلاق