Uncategorized
تفعيل خدمة الإنترنت ليوم واحد تعادل سعر كيس دقيق “ود عكر”بقلم / علاء الدين محمد ابكر

تفعيل خدمة الإنترنت ليوم واحد تعادل سعر كيس دقيق “ود عكر”
بقلم / علاء الدين محمد ابكر
في السودان اليوم صار الإنترنت ترفاً. نعم ترفاً، لا حقاً من حقوق المعرفة والتواصل والتعليم. وصار المواطن البسيط يقف أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يشتري كيس دقيق “ود عكر” ليطعم أسرته، أو أن يفعّل باقة إنترنت ليوم واحد.
يعيش أكثر من 50% من السودانيين داخل ما يُعرف بـ “الوضع المجاني”. يدخلون عبر شبكتي “سوداني” و “زين” بلا دفع. هو وضع عقيم، لكنه المتاح. يسمح لك بقراءة نص، وإرسال “تم” و “حاضر”. أما أن ترى وجه أمك المغتربة في مكالمة فيديو، أو أن تستمع لمحاضرة، أو أن تفتح فيديو تعليمي لابنك، فهذا مستحيل. الوضع المجاني يبقيك على قيد الاتصال، لكنه يقطع عنك الحياة. بلا صوت، وبلا صورة، وبلا تفاعل. كأنك تنظر إلى العالم من ثقب باب موصد.
أقل باقة يومية اليوم لا تقل عن ثلاثة آلاف جنيه. رقم قد يبدو بسيطاً لشريحة، لكنه كارثي للأغلبية. ثلاثة آلاف جنيه هي ثمن كيس دقيق “ود عكر” الذي تعجن منه الأم عجين الكسرة وتطعم به أطفالها لنهار كامل. هي حق العلاج لطفل محموم، وهي ترحيل الطالب للجامعة لمدة أسبوع. فأي عقل يقول للمواطن: اترك الدقيق واشتر إنترنت؟ أي منطق يطلب من أب عاطل أن يدفع ما يساوي قوت يومه مقابل “24 ساعة” ستنتهي وتنتهي معها كل الفرص؟
هكذا تحولت باقات الإنترنت إلى سلعة للأغنياء فقط. صار من حق الميسور أن يتعلم، وأن يعمل، وأن يتاجر، وأن يتواصل. أما الفقير فمكانه الطبيعي هو “الوضع المجاني” أو الصمت.
في ظل هذا الغلاء الفاحش، بدأ كثيرون يعودون للوراء. يعودون إلى الراديو. ذلك الجهاز الصغير الذي يعمل بالحجارة ولا يسألك عن الشبكة ولا عن التجديد. كان وسيظل أفضل وسيلة إعلامية تصل للجميع. الفقير في أطراف البادية يسمعه كما يسمعه الوزير في الخرطوم. لا طبق، لا شريحة، لا باقة. أنا شخصياً ما زلت أحتفظ بالراديو في بيتي. أفتحه صباحاً لأسمع الأخبار، وأتابع به الأحداث. لا يخذلك ولا يطالبك بشحن. بينما الهاتف الذكي الذي ثمنه بالملايين صار قطعة زينة بلا إنترنت. فهل يعقل أن نرجع في 2026 إلى أدوات الأربعينيات لأننا عجزنا عن توفير إنترنت بسعر معقول؟
المشكلة أننا نتحدث عن عالم رقمي بينما نعيش واقعاً ورقياً. الإنترنت اليوم هو المدرسة. آلاف الطلاب في الأقاليم يعتمدون على الدروس عبر “اليوتيوب” و “التلغرام”. فكيف يحضر الطالب درسه وثمن باقة يومين يساوي مصروف أسرته؟ الإنترنت هو السوق. الشباب الذين يعملون في التجارة الإلكترونية والتسويق عبر فيسبوك وتيك توك، كيف ينافسون وثمن “الجيجا” يلتهم كل أرباحهم؟ الإنترنت هو التواصل الإنساني. المغترب الذي يريد أن يرى وجه أمه المريضة عبر فيديو، والطالب الذي يريد أن يرسل واجبه لمعلمه عبر تسجيل صوتي. كل هذا صار حلماً. وحرمان الناس من إنترنت معقول هو حرمانهم من التعليم، ومن العمل، ومن التواصل، ومن الحياة.
شركات “سوداني” و “زين” و “إم تي إن” ليست جهات خيرية. نعلم أنها مؤسسات ربحية. ولكنها أيضاً مؤسسات وطنية تعمل داخل هذا الوطن وتقتات من جيب هذا المواطن. لذلك من حقنا أن نطالبها بمراجعة تسعيرتها. نطالب بباقات “اجتماعية” و “تعليمية” بأسعار رمزية. باقة للطلاب، وباقة للأسر المتعففة، وباقة للمعلمين. نطالب أن يكون الإنترنت مثل الماء والكهرباء: خدمة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها. فالهدف من شركات الاتصالات هو تقريب المسافات وكسر العزلة، لا أن تصبح سبباً جديداً للطبقية.
من المؤلم أن نصل إلى زمن نختار فيه بين “إطعام البطن” و “إطعام العقل”. فكيس الدقيق “ود عكر” يحفظ الجسد من الجوع ليوم، والإنترنت يحفظ الإنسان من الجهل ويفتح له آفاق الدنيا كلها. لا نطلب المستحيل. نطلب إنترنت يحترم ظروف الناس. إنترنت يجعل المعلومة حقاً للجميع، لا حكراً على القادرين. فالوطن الذي يريد أن يتقدم لا يمكن أن يبنيه جائع، ولا يمكن أن يبنيه جاهل. ولن يتقدم وطن نصف شعبه يتابع أخبار العالم عبر “نص مكتوب” لأن الصورة صارت أغلى منه.
علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com



