Uncategorized
يا ليت لي بمصباح علاء الدين بقلم / علاء الدين محمد أبكر

يا ليت لي بمصباح علاء الدين
بقلم / علاء الدين محمد أبكر
أجمل ما في قصص الطفولة هو ذلك الخيال الطلق الذي لا يعرف سقفاً للمستحيل. كنا نجلس بقلوب صغيرة وعيون متسعة نستمع لحكايات الجدات، نستمتع بتلك القصص التي تقودنا إلى عوالم من الجمال المطلق، وتخرج بنا من ضيق الواقع ومرارته إلى رحابة الحلم. ومن بين كل تلك القصص، بقيت قصة مصباح علاء الدين محفورة في الذاكرة، كأنها وعد قديم بأن المستحيل يمكن أن يصبح ممكناً بمسحة يد على مصباح قديم.
كبرنا.. ويا ليتنا لم نكبر. كبرنا وكبرت معنا الأحزان والأوجاع، واتسعت دائرة الهموم حتى ضاقت علينا الأرض بما رحبت. لم تعد هناك قصة تشدنا كما كانت تفعل، ولم يعد الخيال يأخذنا كما كان يفعل، إلا بقية عالقة من تلك الأيام الجميلة، نلوذ بها كلما قست علينا الحياة.
ومع قسوة الحياة التي أطلت علينا اليوم بوجه صارم، وجه يملؤه الصراع والضجيج والتلوث بكل أنواعه، وجدتني أعود طفلاً صغيراً، أتخيل لو أن تلك القصة الخيالية انقلبت حقيقة، ولو أنني بينما أقلب في ركام هذا العالم، عثرت فجأة على مصباح علاء الدين القديم، يكسوه الغبار، فمسحته فخرج لي المارد يقول: “شبيك لبيك، عبدك بين يديك” .. ماذا كنت سأطلب؟
لو وجدته، لأدركت أن أمنياتي لم تعد كأمنيات ذلك الفتى الفقير الذي أراد قصراً وأميرة. فالفقر اليوم ليس فقر مال فقط، بل هو فقر في القلوب والأرواح.
أول ما كنت سأطلبه، ألا يزيل عني أنا الحقد، بل أن يزيل الحقد والكراهية من قلوب كل سكان الأرض. أن يغسل القلوب غسلاً، فلا يبقى فيها حسد ولا ضغينة ولا غل. تخيلوا عالماً لا يحقد فيه جار على جار، ولا يحسد فيه أخ أخاه، ولا يكيد فيه زميل لزميله. عالماً تكون فيه القلوب بيضاء كقلوب الأطفال يوم ولدتنا أمهاتنا.
ولن أطلب أموالاً لي وحدي، فما قيمة أن أكون غنياً وحولي جياع؟ سأطلب أن يكثر الخير حتى يفيض، وأن يعيش الناس في رخاء لا يحتاجون فيه إلى مد أيديهم. سأطلب أن تختفي تلك الروح الإجرامية المظلمة التي تسكن صدور بعض البشر، أولئك الذين يتلذذون بالدمار والقتل والسرقة، أن تُنزع منهم تلك النزعة فيستبدلون بها رحمة.
كنت سأطلب أن يتسع أفق الناس، أن تكبر عقولهم قبل بطونهم، فيحبون الخير لغيرهم كما يحبونه لأنفسهم، ويحبون العلم لا من أجل الشهادة والوظيفة، بل من أجل نور العقل، ويحبون الأخلاق والفضيلة لا لأنها تلمع في الخطب، بل لأنها الطريق الوحيد لنجاة البشرية.
وكنت سأطلب من المارد أمنية للطبيعة التي أوجعناها كثيراً. كنت سأطلب أن يكثر المطر النافع لا المطر الغاضب، أن يهطل غيثاً يغسل أدراننا، فيخضر الزرع والضرع، وتمتلئ السنابل قمحاً، وتدر الضروع لبناً، فيشبع كل جائع وينام كل طفل وبطنه ممتلئة. كنت سأتمنى أن يسود الدنيا مناخ ربيعي دائم، فلا حر قاتل ولا برد قارس، أن تختفي الصحاري التي زحفت على أرواحنا قبل أراضينا، وتجري الأنهار صافية في كل واد، ويعيش الناس في وئام حقيقي، لا وئام الشعارات.
ولكن.. وأنا أتأمل هذه الأمنيات، أدركت أن مصباح اليوم يختلف كثيراً عن مصباح الأمس. فحتى ذلك الجني الطيب الذي كان يسكن المصباح، لا أعتقد أنه سيكون متحمساً للخروج اليوم. أظنه سيفضل الخلود داخل مصباحه الضيق المظلم على الخروج إلى هذا الكون الفسيح المملوء بالضجيج والإزعاج، والهواء الملوث بدخان المصانع، والقلوب الملوثة بدخان الحقد، والشوارع المزدحمة بصراخ البشر وآلاتهم. سيقول لنفسه: “داخل المصباح على الأقل هناك هدوء وسكينة، أما خارجكم فلم يعد يطاق”.
بالطبع، أعلم يقيناً أنني لن أجد مصباحاً سحرياً في طريق العودة إلى البيت، ولن يخرج لي مارد ليحقق أحلامي. ولكن تظل الأمنيات حقاً مشروعاً لكل إنسان أتعبه الركض، ولكل قلب أرهقته ضغوط الحياة اليومية التي نعيشها في عصرنا الحالي، عصر السرعة والاستهلاك والقلق.
نحن لا نتمنى لأننا نؤمن بالمصباح، بل نتمنى لأن التمني هو ما يبقينا أحياء، هو فسحة الأمل الصغيرة التي تقول لنا: رغم كل هذا الخراب، لا يزال بالإمكان أن نحلم بعالم أفضل، وربما.. ربما إذا تمنينا جميعاً نفس الأمنيات الطيبة، فإننا لن نحتاج إلى مارد، بل سنكون نحن أنفسنا مصباح علاء الدين.
علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com .



