Uncategorized
لماذا لا نرجع إلى نظام العمودية في المدن؟ بقلم: علاء الدين محمد أبكر

لماذا لا نرجع إلى نظام العمودية في المدن؟
بقلم: علاء الدين محمد أبكر
أنا هنا لا أتحدث عن الفرق بين القرية والمدينة من الناحية العمرانية والمادية، فتلك المقارنة قد حُسمت منذ زمن. فالقرية اليوم لم تعد تلك القرية القديمة المعزولة، بل كادت أن تضاهي المدينة في مستوى البناء والتشييد والأدوات المعيشية وتوفر الكهرباء والمياه وشبكات الاتصال. الفارق الحقيقي الذي أريد أن أتناوله هو فارق جوهري وخطير، يكمن في النسيج الاجتماعي وتماسك المجتمع.
فالقرية كانت وما زالت تتمتع بنسيج اجتماعي متماسك وروابط عائلية شبه واحدة. فحتى وإن تداخلت معها بعض العوائل الوافدة، إلا أنها في آخر المطاف تذوب في بوتقة واحدة وتصبح في تعداد الأسرة الواحدة. والسر في ذلك هو كثرة التزاوج بين أبناء القرية، فالمصاهرة هي أقوى الروابط الاجتماعية على الإطلاق، فهي تخلق شبكة من العلاقات والمصالح المشتركة، فإذا فرح أحدهم فرح الجميع، وإذا حزن حزنوا جميعاً، وإذا وقع في ضائقة هبوا لنجدته لأن المصاب يمس الجميع.
بينما نجد المدن، حتى بأحيائها الشعبية القديمة، تفتقر افتقاراً شديداً إلى هذه الروابط. فتجد الحي الواحد عبارة عن جزر منعزلة. نسبة التزاوج بين أبناء الحي الواحد لا تتجاوز 3% في أحسن الأحوال، فكل أسرة تفضل التزاوج من خارج الحي السكني، من قريتها الأصلية أو من معارفها البعيدة. وهذا بحد ذاته يضعف الانتماء للحي ويجعل الولاء للقرية الأم أكبر من الولاء للحي الذي يسكنه.
وإذا نظرنا إلى الكثافة السكانية، نجد أن تعداد القرية السكاني محدود جداً ومعروف، بينما في المدينة نجد أن المربع السكني الواحد أو الحارة الواحدة يعادل في عدده عشرات القرى مجتمعة. وهذا التضخم السكاني يصعب من عملية الإدارة والتواصل.
ولكن هناك استثناءات لافتة في الخرطوم الكبرى تؤكد صحة نظريتنا. فهناك مناطق لا تزال تحتفظ بترابطها العائلي الواحد، مثل بعض مناطق شرق النيل وجنوب وشمال أم درمان ووسط وجنوب الخرطوم وشمال بحري. هذه المناطق تمكنت من الصمود في وجه التغيرات والتماسك حتى خلال الحرب الأخيرة، والسبب يعود إلى عاملين أساسيين: أولاً أقدميتهم في تلك المناطق، فهم السكان الأصليون. وثانياً عدم زواجهم من خارج الرابطة العائلية، فحافظوا على دمائهم وأرضهم. إضافة إلى امتلاكهم رقعة جغرافية واسعة سمحت لكل واحد منهم بامتلاك مساحة كبيرة من الأراضي حوله، فلم يحتاجوا للاختلاط القسري.
أما بقية الأحياء التي أنشأتها الدولة عبر خطط الإسكان، فقد جمعت الناس فيها قرعة السكن الشعبي أو عمليات الشراء والبيع، فتجد الجار من دارفور والجار الآخر من الشمالية والثالث من الشرق والرابع من الوسط. ورغم أنهم تعايشوا باحترام، إلا أنهم لن يكونوا أبداً مثل الذين انحدروا من صلب رجل واحد، فتجدهم دائماً يحنون إلى المناطق التي قدموا منها، وانتماؤهم الحقيقي هناك، ولا يفضلون التزاوج داخل الحي السكني لأنهم لا يعتبرونه رحماً واحداً.
في بداية نشأة هذه الأحياء الجديدة عندما توافد إليها السكان الأوائل، كانوا يحملون شيئاً من عبق القرية التي قدموا منها، فكانوا يجتمعون في المسجد وفي المناسبات. ولكن مع تقادم السنوات، ومع انعدام الخدمات المشتركة التي كانت تجمع بينهم وتخلق لهم قضية مشتركة مثل المدارس الحكومية والمخابز والجمعيات التعاونية وصهاريج المياه، والتي اختفت جميعها في الوقت الراهن وحل محلها الخاص، صار كل شخص منعزلاً ومنكفئاً على بيته، لا يعرف عن جاره شيئاً، إلا من قلة قليلة من كبار السن الذين لا يزالون يحاولون التمسك بزمن مضى.
وهذا التفكك الاجتماعي يقودنا مباشرة إلى فشل الخدمات التي يمكن أن تقدمها المحليات، خاصة عقب الحرب الأخيرة. فتجد المسؤول في المحلية يأتي إلى مربع أو حارة يفوق تعداده كما قلت عدداً من القرى، ويطلب منه حصر المتضررين أو توزيع الإغاثة أو المساعدات، فيصعب عليه الأمر، فلا يوجد كشف ولا يوجد مسح اجتماعي شامل، لأن المدن بطبيعتها يصعب فيها الحصر عكس القرية التي من السهل حصر أعداد سكانها بيتاً بيتاً ومعرفة من هو محتاج ومن هو غير محتاج، لذلك تسقط بعض الأسماء وتتكرر أسماء أخرى ويحدث الظلم.
إن المدينة في الإدارة تختلف تماماً عن القرية، وهي تحتاج إلى تعامل خاص ومبتكر.
ومن هنا نطرح هذا المقترح الجاد: لماذا لا نرجع إلى نظام العمودية في المدن؟
لماذا لا يتم تعيين عمدة لكل مربع أو حارة، عمدة منتخب من أهل الحي ومعروف لديهم، يتفرغ تماماً لمهمة البناء المجتمعي؟ تكون له دار معروفة يلتقي فيها جميع ألوان طيف الحي السكني، شيباً وشباباً ونساءً، يتفاكرون فيها حول مستقبل وهموم منطقتهم، تكون بمثابة برلمان مصغر للحي. هذا العمدة يكون هو حلقة الوصل بين الحي والمحلية والدولة، يعرف الصغير والكبير والمحتاج والمتضرر واليتيم والأرملة، ويعرف من يستحق الدعم ومن لا يستحق، ويحفظ الأمن الاجتماعي ويصلح بين المتخاصمين.
إن نظام العمودية ليس بدعة ولا هو رجوع للوراء، بل هو نظام حضاري معمول به في أكبر وأرقى مدن العالم مثل لندن ونيويورك وباريس، حيث لكل حي عمدته ومجلسه المحلي المنتخب الذي يدير شؤونه. فإذا كانت تلك الدول المتقدمة تتمسك به، فلماذا نحن نتخلى عن موروثنا الأصيل؟
إننا اليوم أحوج ما نكون إلى عمدة الحي لنرمم ما أفسدته سنوات الإهمال وما دمرته الحرب، ونعيد للمدينة روح القرية في تماسكها و تكافلها.
علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com




