Uncategorized

ملجة خضار مدني.. ذكرياتي مع الطيب ود الزين ومهددات الصحة والبيئة بقلم: امين محمد الجاك عامر -المحامي

ملجة خضار مدني.. ذكرياتي مع الطيب ود الزين ومهددات الصحة والبيئة

بقلم: امين محمد الجاك عامر -المحامي

اليوم، وفي إطار جولتي داخل سوق ودمدني العمومي، قررت في نهاية النهار أن أختتم مشاويري بزيارة ملجة الخضار، ذلك المكان الذي اعتدت ارتياده قبل سنوات الحرب كل صباح جمعة، لشراء خضروات الأسبوع واحتياجات المنزل الأخرى من المحال التجارية المجاورة.

كانت لي في هذه الملجة حكاية خاصة، بطلها صديقي الطيب ود الزين، الخضرجي، ذلك الإنسان الطيب الذي يحسن معاملة زبائنه، ويستقبلهم بوجه بشوش وابتسامة لا تفارق محياه.

فبمجرد أن أصل إليه، كان يفسح لي المجال ويجلسني على كرسيه الخاص، ثم يتركني لبعض الوقت ليحضر لي كوبًا من الماء وفنجانًا من القهوة، مُصرًّا على أن أشاركه قهوة الصباح، حتى يتسنى لنا تبادل الأحاديث والأنس والمؤانسة.

ومن خلال هذه العلاقة الإنسانية الجميلة، تعلمت منه كثيرًا من أسرار الخضروات، وكيفية اختيار أجود أنواعها والتمييز بين الطازج منها وغيره. وبعد أن يسألني عن احتياجات المنزل لهذا الأسبوع، يبدأ في تجهيز المطلوب، واضعًا كل صنف في كيس منفصل، في عناية واهتمام يعكسان خبرته وحرصه على إرضاء زبائنه.

كانت تلك طقوسًا أسبوعية جميلة، لم تكن غايتها شراء الخضروات فحسب، بل كانت فرصة للقاء صديق عزيز، وتبادل الأحاديث، والاستمتاع بفنجان قهوة في صباح الجمعة.

لكن الحرب وما فرضته علينا من غياب وابتعاد قطعت هذه العادة، وحالت بيني وبين تلك اللقاءات الصباحية التي افتقدتها كثيرًا.

واليوم، قررت أن أستعيد شيئًا من تلك الذكريات، وأن أذهب إلى الملجة، رغم أن يوم الجمعة لم يعد موعدي المعتاد للتسوق.

واقع مؤسف لا يشبه مدني

قبل الحرب، كانت أرضيات الملجة قد خضعت للصيانة والرصف ببلاط الإنترلوك، في خطوة كان يُفترض أن تسهم في تحسين البيئة الصحية وتنظيم حركة الباعة والمتسوقين.

لكنني، بمجرد وصولي، فوجئت بالخضروات مفروشة على الأرض في المساحة الخارجية للملجة، بينما تحيط بها برك المياه والطين من كل جانب، وعلى مقربة من الحمامات العامة، في مشهد يصعب تقبله، خاصة عندما يتعلق الأمر بأطعمة يشتريها الناس لإعداد وجباتهم اليومية.

وعندما دخلت إلى الملجة، انزلقت قدمي وكدت أسقط على الأرض، بسبب مياه الأمطار والطين اللذين غطيا أرضية الإنترلوك، وحوّلا المكان إلى بيئة غير آمنة للمتسوقين، فضلًا عما قد ينجم عن هذه الأوضاع من مخاطر صحية وبيئية.

وبقدرة قادر، تمكنت من الوصول إلى صديقي الطيب ود الزين، الذي وجدته لا يزال يمارس عمله القديم، رغم كل ما طرأ على المكان من تغيرات.

استقبلني بوجهه البشوش وترحابه المعهود، وأجلسني على الكرسي نفسه الذي اعتدت الجلوس عليه في زياراتي السابقة، وهو كرسي أرجو أن يكون قد نجا من مظاهر الإهمال التي طالت المكان.

ولم ينسَ صاحبي عادته القديمة؛ فأحضر لي القهوة، وجلسنا نتبادل الأحاديث، وكأن الحرب لم تفصل بيننا، وكأن سنوات الغياب لم تمر.

ثم سألني عن احتياجات المنزل، وشرع في تجهيز خضروات الأسبوع، واضعًا كل صنف في كيس منفصل، كما اعتاد أن يفعل معي منذ سنوات.

غير أن المفارقة التي استوقفتني كانت في قيمة المشتريات؛ فقد أصبح المبلغ الذي أنفقته اليوم لشراء خضروات أسبوع واحد يعادل تقريبًا ما كنت أنفقه في ثلاثة أشهر قبل الحرب!

والمؤلم في الأمر أن هذه الزيادة الكبيرة في الأسعار جاءت في وقت تراجعت فيه الخدمات، وساءت فيه البيئة التي تُعرض فيها الخضروات وتُباع.

في الماضي، كنت أُخرج النقود الورقية، فيبدأ الطيب في عدّها وتقليبها بين أصابعه، ثم يضعها في جيب المريلة التي اعتاد ارتداءها أثناء العمل.

أما اليوم، فقد حدث تطور واختلف المشهد؛ إذ أخذت رقم حسابه المصرفي، وفي رمشة عين حوّلت إليه قيمة المشتريات إلكترونيًا، دون الحاجة إلى إخراج النقود الورقية أو عدّها.

وبعد اكتمال عملية الشراء، استدعيت صاحب درداقة، وكلفته بحمل أكياس الخضروات إلى سيارتي، وسددت له أجرة النقل نقدًا، مشكورًا على ما قدمه من مساعدة.

وهكذا انتهت زيارتي إلى الملجة، بعد أن استعدت بعض ذكريات الماضي والتقيت صديقًا عزيزًا لم تغيره الأيام، لكن المشهد العام الذي يحيط به كان كفيلًا بأن ينقلني من دفء الذكريات إلى مرارة الواقع.

هل استنفدت ملجة خضار مدني أغراضها؟

عندما خرجت من الملجة، وبعد أن تأملت ما شاهدته من مياه راكدة وطين وخضروات معروضة على الأرض، وأحذية معروضة للبيع في الرفوف الزجاجية وجدت نفسي أمام سؤال لا بد من طرحه:

هل استنفدت ملجة خضار مدني أغراضها، وأصبح من الضروري التفكير في إغلاقها ونقل نشاطها إلى مواقع أكثر ملاءمة لصحة المواطنين وسلامتهم؟

إن استمرار الملجة بهذا الوضع، في تقديري، لم يعد مقبولًا. فالمكان الذي يُفترض أن يوفر للمواطنين احتياجاتهم الغذائية اليومية يجب أن تتوافر فيه أبسط شروط النظافة والصحة العامة، وأن تكون أرضياته صالحة للاستخدام، وأن تُعرض الخضروات في أماكن نظيفة ومنظمة، بعيدًا عن الطين والمياه الراكدة ومصادر التلوث.

كما أن معالجة هذه المشكلة لا ينبغي أن تقتصر على حملة نظافة عابرة أو إزالة مؤقتة للمخلفات، بل تحتاج إلى مراجعة شاملة لمدى صلاحية الموقع الحالي لمواصلة أداء وظيفته، مع مراعاة تكاليف الصيانة والتشغيل، وصعوبة حركة المواطنين، وارتفاع تكاليف النقل والوقود.

ومن هنا، أرى ضرورة أن تبادر السلطات المحلية والجهات المختصة إلى دراسة خيارات عملية وجادة، من بينها:

أولًا: إغلاق الملجة الحالية ونقل نشاطها إلى أسواق الأحياء

أقترح دراسة إغلاق الملجة بصورتها الراهنة، ونقل نشاطها وتوزيع الباعة والعاملين فيها على أسواق الأحياء، بما يقرّب الخدمات من المواطنين، ويخفف الضغط على وسط المدينة، ويقلل حاجة الأسر إلى قطع مسافات طويلة لشراء احتياجاتها اليومية.

ويمكن أن يسهم هذا التوجه في تخفيف أعباء المواصلات على المواطنين، خاصة في ظل ارتفاع تكلفة التنقل عبر الرقشات ووسائل النقل العامة، إلى جانب ما يتكبده الناس من وقت وجهد للوصول إلى السوق.

على أن تتم هذه الخطوة بعد دراسة احتياجات الأحياء، وتحديد المواقع البديلة المناسبة، والتشاور مع أصحاب الأنشطة التجارية، حتى لا يؤدي نقل الملجة إلى الإضرار بأرزاق العاملين فيها أو خلق مشكلات جديدة في الأسواق الأخرى.

ثانيًا: التخطيط لإنشاء سوق مركزي حديث للخضروات والفاكهة واللحوم

إذا توافرت الإمكانات المالية والفنية، فمن الأفضل أن تتجه السلطات، بالتعاون مع الجهات المختصة والقطاع الخاص، إلى إنشاء سوق حديث تتوافر فيه المواصفات الصحية والعمرانية المطلوبة.

ويُفترض أن يضم هذا السوق ثلاجات لحفظ المنتجات، ومواقع منظمة لبيع الخضروات والفاكهة واللحوم، وأرضيات سهلة التنظيف، ونظامًا فعالًا لتصريف مياه الأمطار ومياه التنظيف، إلى جانب مرافق صحية مناسبة ووسائل منتظمة لجمع النفايات والتخلص منها.

كما ينبغي أن تُراعى فيه سهولة الوصول وحركة المركبات واحتياجات الباعة والمتسوقين، مع إعطاء العاملين في الملجة الحالية الأولوية في الحصول على مواقع عمل بالسوق الجديد، وفق ضوابط عادلة وواضحة تحفظ أرزاقهم وتراعي أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية.

فالتطوير الحقيقي لا يقتصر على تشييد المباني، بل يشمل إنشاء بيئة تجارية وصحية متكاملة تحفظ حقوق العاملين وتوفر للمواطنين خدمات تليق بهم.

ثالثًا: اتخاذ تدابير عاجلة لحماية صحة المواطنين

إلى حين اتخاذ قرار نهائي بشأن مستقبل الملجة، لا بد من التدخل العاجل لمعالجة برك المياه والطين، وتحسين تصريف مياه الأمطار، وتنظيف الأرضيات، ومنع عرض الخضروات مباشرة على الأرض أو في المواقع التي تتعرض للتلوث.

كما ينبغي فحص الظروف الصحية للموقع، والتحقق من سلامة أماكن عرض المنتجات الغذائية، واتخاذ التدابير اللازمة لإبعادها عن مصادر التلوث، خاصة في المناطق القريبة من الحمامات العامة.

فصحة المواطنين لا تحتمل الانتظار، ولا يجوز أن تصبح الظروف الاقتصادية الصعبة مبررًا لاستمرار أوضاع يمكن أن تعرضهم لمخاطر صحية وبيئية.

مدني تستحق سوقًا يليق بها

إن دعوتي إلى مراجعة وضع ملجة الخضار لا تنطلق من موقف ضد الباعة أو العاملين فيها؛ فعلى العكس، أدرك أن هؤلاء الناس يسعون إلى كسب أرزاقهم في ظروف بالغة الصعوبة، وأن أي قرار بإغلاق الموقع الحالي يجب أن يراعي مصالحهم، ويوفر لهم بدائل عملية تحفظ أعمالهم ومصادر دخلهم.

لكن المحافظة على أرزاق الناس لا تتعارض مع حماية صحتهم، كما أن تطوير الأسواق لا يعني التضحية بالعاملين فيها. فالتخطيط السليم هو الذي يحقق المصلحة العامة، ويوازن بين متطلبات الصحة والبيئة واحتياجات المواطنين ومصالح أصحاب الأنشطة التجارية.

إن مدينة ود مدني، بتاريخها ومكانتها، تستحق أسواقًا نظيفة ومنظمة، تليق بأهلها وتوفر لهم احتياجاتهم في بيئة صحية وآمنة. وما شاهدته اليوم في ملجة الخضار يجب أن يكون مناسبة لفتح نقاش جاد حول مستقبل هذا المرفق، لا مجرد مشهد عابر نأسف له ثم نمضي في طريقنا.

إنني أدعو السلطات المحلية بولاية الجزيرة، ومحلية مدني، والجهات المختصة بالصحة والبيئة والأسواق، إلى التضافر والتحرك العاجل لدراسة هذه المشكلة واتخاذ القرارات المناسبة بشأنها.

فإما أن تُهيأ الملجة الحالية بصورة جذرية، إذا أثبت التقييم الفني والاقتصادي إمكانية إصلاحها واستمرارها، وإما أن يُتخذ قرار مدروس بنقل نشاطها إلى مواقع بديلة أكثر ملاءمة، مع التخطيط لإنشاء سوق مركزي حديث متى توافرت الإمكانات.

أما إبقاؤها على هذا الوضع، بما ينطوي عليه من مخاطر صحية وبيئية وصعوبات في الحركة والتشغيل، فليس حلًا يمكن الركون إليه.

لقد ذهبت اليوم إلى الملجة بحثًا عن خضروات الأسبوع، واستعادة ذكريات الجمعة الجميلة مع الطيب ود الزين، لكنني عدت وأنا أحمل همًّا أكبر يتعلق بصحة الناس وكرامتهم ومستقبل مدينتنا.

فالذكريات الجميلة تستحق أن نحافظ عليها، وأرزاق الناس تستحق أن نصونها، وصحة المواطنين تستحق أن نضعها في مقدمة أولوياتنا.

والله من وراء القصد

مقالات ذات صلة

إغلاق