Uncategorized

الإعيسر أحسن القول بحديث من ذهب أمام مجلس وزراء إعلام العرب بقلم: علاء الدين محمد ابكر

الإعيسر أحسن القول بحديث من ذهب أمام مجلس وزراء إعلام العرب

بقلم: علاء الدين محمد ابكر

لم تكن كلمة عادية، ولم تكن كلمة بروتوكولية تُلقى ثم تُنسى في أروقة الاجتماعات، بل كانت كلمة من ذهب، كلمة خرجت من قلب السودان الجريح، لتصل إلى قلب كل عربي حر، كلمة قالها وزير الثقافة والإعلام والآثار والسياحة، الأستاذ خالد الإعيسر، أمام الدورة السادسة والخمسين لاجتماعات مجلس وزراء الإعلام العرب المنعقدة بالقاهرة.

لقد أحسن الإعيسر القول، وأجاد التعبير، وتحدث بلسان كل سوداني، وبصوت كل أم ثكلى فقدت ابنها، وكل طفل مشرد فقد بيته ومدرسته، وكل أسرة ذاقت ويلات الحرب والتشريد والنهب، فكان حديثه حديثاً من ذهب، يستحق أن يُكتب بماء الذهب، وأن يُحفظ في ذاكرة العمل العربي المشترك، وأن يُدرس للأجيال القادمة كيف يكون الحديث باسم الوطن.

دعا الإعيسر مجلس وزراء الإعلام العرب إلى اتخاذ موقف عربي واضح وحازم إزاء الهجمات التي تشنها مليشيا الدعم السريع المتمردة على السودان انطلاقاً من الأراضي الإثيوبية، وإدانة أي تدخل أو تورط أو دعم مالي أو عسكري أو لوجستي من شأنه زعزعة استقرار البلاد وتأجيج الحرب ضد شعبها.

لم يجامل، ولم يداور، ولم يخفف من حدة الحقيقة، ولم يلجأ إلى العبارات الدبلوماسية الفضفاضة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، بل سمى الأشياء بأسمائها، وقالها صريحة مدوية في قاعة المجلس: هناك عدوان، وهناك مليشيا تقتل، وهناك من يدعمها بالمال والسلاح، وهناك شعب يُذبح، وعلى العرب أن يقولوا كلمتهم، وأن يحددوا موقفهم، فالصمت في مثل هذا الوقت ليس حياداً، بل هو خذلان.

وطالب الإعيسر في كلمته جامعة الدول العربية باتخاذ مواقف جادة ومسؤولة لوقف تورط الدول الداعمة للمليشيا، والعمل على حماية الشعب السوداني وصون أمنه واستقراره، مؤكداً أن الدماء التي تسيل من أبناء السودان هي دماء عربية، وأن الوجع السوداني هو وجع عربي.

ما أصدقها من عبارة! وما أعمقها من حقيقة! الدم السوداني دم عربي، والوجع السوداني وجع عربي، والطفل السوداني الذي يُقتل هو طفل عربي، والمرأة السودانية التي تُنتهك هي امرأة عربية، فكيف يصمت العرب ودم أخيهم يسيل؟ وكيف يتفرجون وشعب كامل يُستهدف في وجوده وفي أرضه وفي عرضه وفي كرامته؟

وناشد الوزير صوت العقل في الدول العربية التي تتورط في دعم المليشيا أن ترفع يدها عن دعم المليشيا التي تقتل السودانيين وتستبيح دماء الأبرياء، مشدداً على ضرورة الالتزام بمبادئ جامعة الدول العربية وميثاقها، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

كانت مناشدة عقل، ومناشدة أخ لأخيه، ومناشدة رجل دولة يعرف أن العرب إخوة، وأن الأخ لا يقتل أخاه، ولا يدعم من يقتل أخاه، ولا يمد يده لمن يستبيح دماء الأبرياء، ولا يسمح بأن تكون أمواله وسلاحه سبباً في خراب بيت جاره وشقيقه.

وأكد الإعيسر أهمية اضطلاع الإعلام العربي بدور أكثر فاعلية في نقل حقيقة الأوضاع في السودان، وإبراز معاناة شعبه وتطلعاته إلى الأمن والسلام والاستقرار، بعيداً عن الانتقائية والتضليل واختزال الأزمة، داعياً إلى التصدي لخطاب الكراهية وكل ما يستهدف النسيج الاجتماعي السوداني، ودعم وحدة البلاد وسيادتها وسلامة أراضيها، ومساندة جهود إنهاء الحرب وإعادة الإعمار.

لقد وضع يده على الجرح الحقيقي، جرح الإعلام، فمعركة السودان اليوم ليست معركة سلاح فقط، بل هي معركة وعي، ومعركة رواية، ومعركة حقيقة، ومن ينقل الحقيقة ينصر المظلوم، ومن يزيفها ينصر الظالم، ومن يصمت عنها يترك المجال للشائعات ولأعداء الأمة لكي يكتبوا التاريخ كما يريدون.

وأشار إلى أن معركة الوعي أصبحت لا تقل أهمية عن المعارك السياسية والأمنية والاقتصادية، في ظل انتشار التضليل والشائعات والحملات المنظمة واستهداف المجتمعات عبر المنصات الرقمية، الأمر الذي يستدعي بناء إعلام عربي مهني وموثوق، يوازن بين حرية التعبير والمسؤولية المجتمعية، ويوظف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي مع المحافظة على القيم المهنية والأخلاقية.

وشدد على ضرورة وضع استراتيجية إعلامية عربية موحدة لمواجهة الإرهاب والتطرف والتضليل، والتصدي لهيمنة الشركات الكبرى على الفضاء الرقمي، بما يسهم في تحصين عقول الشباب وحماية المجتمعات وتعزيز حضور المحتوى العربي وتأثيره عالمياً.

ودعا إلى الانتقال من التضامن العربي في الخطاب إلى المناصرة العملية والمواقف الفاعلة، مؤكداً أن مصير الدول العربية مترابط، وأن أمن كل بلد عربي يمثل امتداداً لأمن أشقائه، مشيراً إلى ما تمتلكه الأمة العربية من إمكانات بشرية واقتصادية وموارد تؤهلها للتأثير في التحولات الدولية وحماية مقدراتها وسيادة قرارها.

هنا مربط الفرس، وهنا حديث الذهب الحقيقي: كفانا تضامناً في الخطاب، كفانا بيانات، كفانا مجاملات، كفانا اجتماعات تنتهي بالتصفيق ثم لا يحدث شيء، نريد مناصرة عملية، نريد مواقف فاعلة، نريد أن يتحول التضامن من شعار إلى ممارسة، ومن كلام إلى فعل، ومن عاطفة إلى قرار، ومن قرار إلى تنفيذ على أرض الواقع.

فاليوم السودان، وغداً قد تكون دولة أخرى، فالنار إذا لم تُطفأ في بيت جارك، ستصل إلى بيتك لا محالة، والأمن العربي كل لا يتجزأ، ومن يظن أنه بعيد عن النار فهو واهم.

واستحضر الإعيسر الدور التاريخي للسودان في دعم العمل العربي المشترك، مستشهداً باستضافة الخرطوم قمة عام 1967، المعروفة بقمة اللاءات الثلاث، والتي شكلت محطة بارزة في مسيرة التضامن العربي، لافتاً إلى أن استحضار هذه التجربة يأتي تأكيداً للحاجة إلى مراجعة آليات العمل العربي والانتقال من المواقف التقليدية إلى المناصرة الفاعلة.

السودان الذي قال لا للصلح ولا للتفاوض ولا للاعتراف، من أجل العرب، السودان الذي احتضن العرب في محنتهم، السودان الذي فتح بيوته ومدارسه وجامعاته للعرب، السودان الذي وقف مع الجميع في كل القضايا، اليوم يطلب من العرب أن يقفوا معه في محنته، فهل هذا كثير؟ وهل هذا صعب؟

إن استحضار قمة اللاءات الثلاث لم يكن استحضاراً للماضي من باب الحنين، بل كان تذكيراً بأن السودان كان دائماً في مقدمة الصف العربي، وأنه عندما احتاج العرب إلى موقف، وجدوا السودان، واليوم عندما احتاج السودان إلى موقف، يجب أن يجد العرب.

وطرح الوزير جملة من المقترحات لتطوير العمل الإعلامي العربي، شملت تعزيز التنسيق الإعلامي والاستجابة المشتركة للأزمات ومواجهة حملات التضليل، وتوسيع الشراكات بين المؤسسات الإعلامية وتبادل الخبرات والتدريب والإنتاج المشترك، إلى جانب تطوير القدرات في الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي وتعزيز انتشار المحتوى العربي عالمياً.

كما دعا إلى ترسيخ الإعلام المهني والإنساني في تغطية النزاعات وحماية حقوق الضحايا ومواجهة الكراهية والتحريض، وتعزيز التعاون بين وكالات الأنباء والإذاعات والتلفزيونات والمؤسسات الصحفية العربية، فضلاً عن دعم الصحافة الورقية والإعلام التقليدي وإيجاد حلول تضمن استدامة مؤسساتها ومواكبة التحول الرقمي مع الحفاظ على المصداقية.

وأكد أهمية تفعيل ميثاق الشرف الإعلامي، وتطوير خطة التحرك الإعلامي العربي في الخارج عبر خطاب استراتيجي موحد ومؤثر، إلى جانب إيلاء القضايا العربية العادلة الاهتمام الإعلامي المستحق والدفاع عن حقوق الشعوب العربية وتطلعاتها المشروعة.

وجدد الإعيسر تقدير السودان للدعم العربي وجهود الدول الشقيقة في نقل حقيقة ما يجري في البلاد والدفاع عن مصالحها في المحافل الإقليمية والدولية، ناقلاً تحيات قيادة البلاد وتأكيدها أهمية تعزيز التعاون العربي وحماية وحدة الصف.

وأكد التزام السودان بالعمل العربي المشترك وتطوير منظومة الإعلام العربي وتعزيز التعاون بين مؤسساتها، موضحاً أن تطلعه لا يقتصر على تضامن تفرضه ظروف المحنة الراهنة، وإنما يتجاوز ذلك إلى بناء شراكة عربية مستدامة تحترم سيادة الدول وتصون وحدتها وتساند شعوبها في أوقات الشدة.

واختتم الوزير كلمته بالتأكيد على ضرورة الانتقال من دبلوماسية البيانات والمجاملات إلى دبلوماسية المواقف والإنجازات، ومن التضامن شعاراً إلى التضامن ممارسة، ومن تشتت الجهود إلى بناء قوة عربية مشتركة تحمي المصالح وتصون مستقبل الأجيال.

إنها والله كلمة من ذهب، كلمة رجل دولة، كلمة سوداني أصيل، كلمة يجب أن تُدرس، وأن تُحفظ، وأن تُترجم إلى مواقف، وأن تُعلق على جدران كل وزارة إعلام عربية.

لقد أحسن الإعيسر القول، وأحسن التعبير، وأحسن تمثيل السودان، فهل سيحسن العرب الفعل؟ وهل سيتحول هذا الحديث من ذهب إلى مواقف من ذهب؟ هذا ما تنتظره الخرطوم، وتنتظره كل مدينة سودانية، وينتظره كل سوداني يحب وطنه ويحب أمته.

لقد تكلم الإعيسر بلسان السودان، فهل سيسمع العرب؟

علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com

مقالات ذات صلة

إغلاق