Uncategorized

الكاتب العراقي عادل الجبوري يكتب العراق يعود إلى المربع الأول.. فمن ينقذ المواطن من قرارات الحكومة؟؟

الكاتب العراقي عادل الجبوري يكتب العراق يعود إلى المربع الأول.. فمن ينقذ المواطن من قرارات الحكومة؟؟

في العراق، كلما وقعت الحكومة في أزمة مالية، كان الحل الأسهل هو وضع المواطن في واجهة المدفع، وكأن الشعب هو المسؤول عن سوء الإدارة والتخطيط، وليس أصحاب القرار الذين يتولون إدارة الدولة منذ سنوات!

رفع سعر صرف الدولار مقابل الدينار العراقي، وما تبعه من ارتفاع في أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية والكمالية، أضعف القدرة الشرائية للمواطن، وجعل الموظف والمتقاعد وصاحب الدخل المحدود يدفعون ثمن قرارات لم يكونوا طرفاً في اتخاذها. فالراتب الذي كان بالكاد يكفي العائلة أصبح عاجزاً عن تغطية احتياجاتها، والأسواق تشهد ضغوطاً متزايدة على المواطنين.

واليوم، يأتي الحديث عن لجوء حكومة الزيدي إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولي، ليفتح باباً جديداً من الأسئلة والمخاوف: هل ستلجأ الحكومة إلى إجراءات تقشفية جديدة؟ وهل سيكون المواطن مرة أخرى هو الحلقة الأضعف التي تتحمل نتائج هذه السياسات؟

إن الاقتراض من صندوق النقد الدولي ليس مجرد الحصول على الأموال، بل قد يرتبط بشروط وإصلاحات اقتصادية تختلف بحسب الاتفاق، وقد تشمل تقليص بعض أشكال الدعم أو إعادة هيكلة الإنفاق العام. وإذا اتجهت الحكومة إلى رفع الدعم عن الوقود أو الكهرباء أو فرض أعباء ضريبية إضافية، من دون حماية حقيقية للفئات محدودة الدخل، فإن النتيجة ستكون مزيداً من ارتفاع تكاليف المعيشة وتفاقم معاناة الأسر العراقية.

والسؤال الذي ينتظر المواطن إجابة عنه: كيف سيعيش العراقي إذا ارتفعت الأسعار مجدداً، وتراجعت قيمة راتبه، وارتفعت كلفة الغذاء والدواء والنقل والكهرباء؟

هل المطلوب من الموظف أن يتحمل الأزمة مرتين؟ مرة عندما تراجعت قدرته الشرائية بسبب تغير سعر الصرف، ومرة أخرى عندما تطلب الحكومة منه تحمل نتائج الاقتراض وتقليص الدعم؟

أما الذين يتحدثون عن سد العجز المالي، فعليهم أن يبدأوا بمراجعة أبواب الإنفاق الحكومي، ومكافحة الفساد، واسترداد الأموال المنهوبة وفق القانون، ومحاسبة المتورطين في هدر المال العام، وتقليص النفقات غير الضرورية والامتيازات التي لا تتناسب مع ظروف البلاد. فليس من العدالة أن يُطلب من المواطن التضحية باحتياجات عائلته، بينما تبقى ملفات الهدر والفساد والإنفاق غير المنتج بحاجة إلى معالجة جادة وشفافة.

العراق ليس بلداً فقيراً بالموارد، لكنه يحتاج إلى إدارة مالية رشيدة، وخطط اقتصادية واضحة، ومحاسبة حقيقية لكل من يعبث بأمواله.

إن أي اتفاق مع صندوق النقد الدولي يجب أن يُعرض على الرأي العام بشفافية، مع توضيح حجم القرض، وشروطه، وكلفة خدمته، والجهات التي ستستفيد منه، وكيف ستُستخدم أمواله، وما الضمانات التي تمنع تحميل الفقراء والموظفين والمتقاعدين أعباءه.

فالحكومة التي تطلب من شعبها الصبر والتضحية مطالبة أولاً بأن تقدم نموذجاً في ترشيد الإنفاق ومكافحة الفساد، وأن تثبت أن الإصلاح لن يكون على حساب الفئات الأضعف وحدها.

فهل نعود إلى المربع الأول، وتبدأ مرحلة جديدة من الغلاء والتقشف على حساب العراقيين؟ أم أن حكومة الزيدي ستتعلم من أخطاء الماضي، وتضع مصلحة المواطن فوق الحسابات السياسية والمالية؟

لقد أنهكت الأزمات هذا الشعب، ولم يعد يحتمل قرارات جديدة تنتقص من قدرته على العيش بكرامة. فالمواطن لا يطالب بالمستحيل؛ إنه يريد راتباً يكفيه، وغذاءً يستطيع شراءه، ودواءً متاحاً، وخدمات تليق بإنسان يعيش في بلد يمتلك ثروات كبيرة.

كفى تحميل المواطن فاتورة الأزمات! فالأموال العامة أمانة، والإصلاح الحقيقي يبدأ من محاسبة المقصرين، لا من جيوب الفقراء.؟؟
د. عادل الجبوري
صحفي وكاتب سياسي
١٩ ت اول٢٠٢٦

مقالات ذات صلة

إغلاق