Uncategorized

مبروك عليك الفلبينية والعالمية.. ونحن خلينا في المحلية! بقلم امين محمد الجاك عامر -المحامي

مبروك عليك الفلبينية والعالمية.. ونحن خلينا في المحلية!

بقلم امين محمد الجاك عامر -المحامي

خاطبني تلفونياً، قبل قليل، صديقي العزيز، وهو في قمة الفرحة والنشوة، ليزف إليّ خبراً ظللت أنتظره منه لسنوات، أو لعله هو الذي ظل ينتظر اللحظة المناسبة ليزفّه إلينا!

قال لي، بلهجة لا تخلو من الفخر والاعتزاز، إنه اهتدى أخيراً إلى شريكة العمر، بعد رحلة طويلة مع العزوبية، وإن اختياره وقع على امرأة فلبينية الجنسية ومسلمة، تعرّف إليها أثناء قيامه بفحوصات دورية استلزمها العمل، وقد شرعا بالفعل في إكمال مراسم الزواج.

تركت الرجل يتحدث على راحته، ولم أقاطعه، فقد كان واضحاً أنه يريد أن يفرغ كل ما في جعبته من أخبار وتفاصيل، وربما كان يريد أيضاً أن يثبت لي أنه لم يكن يضيّع سنوات عمره الماضية، وإنما كان يبحث عن المواصفات المناسبة!

وبعد أن انتهى من حديثه، باركت له هذه الخطوة الشجاعة، التي طال تردده في اتخاذها، وتمنيت له حياة زوجية سعيدة، يسودها الحب والمودة والرحمة، وأن يجد في شريكة عمره الرفيقة التي تؤنس وحشته، وتشاركه أفراح الحياة وأتراحها.

ثم أخبرني بأن الظروف لن تسمح لي بحضور مراسم الزواج، لكنه وعدني بأن يأتي بعروسه إلى السودان في شهر العسل، حتى يجددا مراسم الزواج على الطريقة السودانية، بكل طقوسها وتفاصيلها؛ من الحنة والجرتق إلى الحفلة الكبيرة وسط أهله في حيهم العريق بمدينة أم درمان، بحضور الأهل والأصدقاء وحسان الحي، من الكبيرات اللائي يتولين مهمة الشبال، إلى الشباب والشابات الذين سيجعلون من المناسبة ليلة لا تُنسى.

وهنا بدأت أتخيل المشهد!

عروس فلبينية مسلمة، تدخل أجواء العرس السوداني لأول مرة، وتجد نفسها وسط الحنة والجرتق والصفقة والشبال، وربما تتساءل في قرارة نفسها: يا ترى، ما الذي ينتظرني أيضاً في هذه الرحلة؟

أما صديقي، فيبدو أنه يريد أن يقدم لها دورة مكثفة في الثقافة السودانية، تبدأ من مراسم الزواج ولا تنتهي إلا بعد أن تتعرف على العادات والتقاليد، وتكتشف بنفسها لماذا نعتبر العرس السوداني مناسبة تتجاوز مجرد ارتباط رجل بامرأة، لتصبح احتفالاً تشارك فيه الأسرة والحي والأصدقاء.

بعد أن فرغ من حديثه، قلت له:

ـ يا أخوي، والله فرحت ليك من قلبي، وربنا يتمم ليك على خير. لكن عندي سؤال!

قال لي:
ـ اتفضل!

قلت:
ـ إنت بعد العمر ده كلو، وبعد سنوات العزوبية والتردد، مشيت بعيد شديد لحدي ما وصلت الفلبين؟!

فضحك، أو هكذا تخيلته وهو يضحك، ثم واصلت حديثي قبل أن يمنحني فرصة للرد:

ـ على كل حال، مبروك عليك الفلبينية والعالمية، لكن نحن عندنا حساباتنا الخاصة، ولسه متمسكين بالمحلية!

ثم قلت له إن هناك أغنية لا بد أن نستمع إليها في حفل وداعه للعزوبية، وكأنها تلخص حكايته مع الانتظار والغياب:

الريد يجمع ويفرّق..
بحرٌ يروي ويغرّق
يا الخليتنا رُحتَ مشرّق..
يا حليلك حليلي معاك!

قلت له إن هذه الأغنية تصلح لتوديع سنوات العزوبية، وربما تصلح أيضاً لتوديعنا نحن، رفاق المجالس والونسة، الذين سنفتقده بعد أن أصبح لرجلنا بيت جديد وحياة جديدة ومسؤوليات جديدة.

لكنني لم أتركه طويلاً في أجواء الأغنية الأولى، فقد كان لا بد من أن أستعيد توازني، وأدافع عن المحلية التي ننتمي إليها، فقلت له:

ـ اسمع يا صاحبي، نحن برضو عندنا أغنياتنا، وعندنا مواصفاتنا، وعندنا الصورة التي رسمتها الذاكرة السودانية للمرأة والجمال والحب. خلينا نستمع لأغنيتنا المفضلة:

بنحب من بلدنا
ما برا البلد
سودانية تهوى عاشق ود بلد

بعيون المفاتن شي ما ليهو حد
التوب المهبهب فوق أم الضفاير
والخد المعطر زي أحلى الأزاهر
والخطوة الأنيقة ترنيمة مشاعر

وهنا انتهت المكالمة، وبقيت أضحك من المفارقة الجميلة بين اختياري واختيار صديقي.

هو اختار العالمية، ونحن لا نزال نغني للمحلية!

وبالطبع، لا يعني ذلك أن الفلبينية أقل جمالاً، أو أن السودانية وحدها تمتلك مفاتيح القلب؛ فالجمال لا جنسية له، والحب لا يعرف الحدود، والزواج الناجح لا تصنعه الجوازات ولا تحدده الأوطان، وإنما تصنعه المودة والرحمة والتفاهم والقدرة على مشاركة تفاصيل الحياة.

لكن لكل منا ذاكرته وأغنياته وصورته الخاصة عن الحب، ولنا نحن السودانيين حكاية طويلة مع الأغنيات التي تتغنى بالوطن والمرأة والحنين.

أما صديقي، فقد حسم أمره أخيراً، واختار أن يفتح صفحة جديدة من حياته، بعد سنوات طويلة من التردد والعزوبية. ومن حقه علينا أن نفرح له، وأن ندعو له بالتوفيق، وأن ننتظر قدومه إلى السودان مع عروسه، لنرى كيف ستستقبل الفلبينية أجواء العرس السوداني، وكيف سيتصرف العريس عندما يجد نفسه وسط أهله وأصدقائه، مطالباً بإعادة مراسم الزواج من أولها إلى آخرها!

مبروك عليك يا صديقي الفلبينية والعالمية، وربنا يجعل أيامك كلها أفراحاً ومسرات، ويؤلف بين قلبك وقلب عروسك، ويجمع بينكما على خير.

أما نحن، فسنظل نغني:

بنحب من بلدنا.. ما برا البلد!

وإن كان الحب قد أخذ صديقي إلى الفلبين، فنحن لا نزال هنا، موجودين نشجع الخيارات المحلية

وربنا يسهل علينا وعليك القواسي!

مقالات ذات صلة

إغلاق