Uncategorized

د. مكي الطيب يكتب (شفافية الوصية 3)

د. مكي الطيب يكتب
(شفافية الوصية 3)
“الدنيا تمضي لا محالة إلى الزوال” ، أثاب الله المنشد الزاهد (قرشي الطيب) وكلنا إلى الرحيل صائرون ، “والموت لا ينجينا منه كثير مال ، هذي قصور وهذي قبور” .
“خبر صديقك يا صديقي، وقل له:
إن الخليل غداً يفارق خِلَّه لا محالة”.
شاءت الأقدار أن نكون خلال هذا الأسبوع في مقبرة (القصيص) بدبي، لنُواري الثرى قريباً عزيزاً على أحد أصدقائنا المقيمين معنا في عجمان. وهناك، وسط رهبة الموت وصمت القبور، عادت بنا الذاكرة إلى أحزان وذكريات لا تُنسى، وإلى أهل وأحباب فارقونا إلى رحمة مولانا، ولا سيما أولئك الذين فقدناهم أثناء الحرب اللعينة في السودان. وكأن للمقابر لغة لا يفهمها إلا من أثقلته ذكريات الراحلين، وأوجعه فراق الأحبة.
كانت تلك زيارتي الأولى لمقبرة (القصيص) ، وقد لفت انتباهي ما رأيته فيها من عناية وإكرام للميت، ابتداءً بالمسجد الذي تُقام فيه صلاة الجنازة، مروراً بمدخل المقبرة الذي يخيل إليك أنك تدخل من بوابة وزارة للخارجية، وانتهاءً بسفلتة الطرق الداخلية وحسن التنظيم والترتيب، فضلاً عما لا تسعفني الكلمات في وصفه من بقية المرافق والخدمات. حتى إن أحد الحضور تمنى، من فرط إعجابه بما رأى، أن يكون مثواه الأخير في هذه المقبرة!
ولكن، مهما اختلفت المقابر وتباينت أحوالها، يبقى الموت حقيقة واحدة لا تتبدل، وتظل كلمات الله تطرق القلوب: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾.
وفي خضم هذه المشاهد، استدعت الذاكرة الحبيب الغالي، ابن خالتي وصديقي الصدوق، (الرشيد فضل الله حاج الطيب)، الذي وافته المنية بالمملكة العربية السعودية، ووُوري جثمانه الثرى هناك، بعيداً عن الأهل والأحباب، ولكن قريباً من رحمة الله التي وسعت كل شيء. ولا نزكيه على الله، فقد كان نعم القريب ونعم الصديق.
كان الرشيد وسيماً، بهيّ الطلعة، طيب المعشر، حسن الاستقبال، راقياً في تعامله، حكيماً في حديثه، رقيقاً في إحساسه، وفوق كل ذلك كان فناناً مرهف الحس، عاشقاً للموسيقى والجمال.
وبرحيله لم نفقد شخصاً عزيزاً فحسب، بل فقدنا مساحة جميلة من عالم كنا نتقاسمه معاً؛ فقد كنا نتواصل باستمرار، ونتبادل كل جديد في عالم الموسيقى والفن، ونتناقش بشغف حول أعمال الموسيقار العالمي (ياني) (Yanni)، وأغنيات الفنان الراحل المقيم (محمد الأمين) ، رفيق عمره الفني، وكذلك إبداعات الموسيقار المتميز (لؤي عبد العزيز).
ولا تزال بعض الألحان تستحضر صورته في مخيلتي، وتعيدني إليه كلما سمعتها؛ فالموسيقى الحزينة في المسلسل التركي (قيامة أرطغرل) ، وكذلك موسيقى الفيلم الهندي القديم (من أجل أبنائي) ، تحمل عندي اليوم شيئاً من (عبق)🌹 تلك الأيام، وكأنها رسائل صوتية تأتي من زمن جميل مضى، ومن صديق لم يعد بيننا، لكنه لم يغادر الذاكرة والوجدان.
ما أصعب أن تفقد إنساناً ارتبطت به حتى في تفاصيل ذوقك ،واهتماماتك! فبعض الأصدقاء لا يرحلون بموتهم وحده، وإنما يرحل معهم جزء من أحاديثنا واهتماماتنا وأشيائنا الجميلة التي لا تتكرر. وهكذا كان (الرشيد) بالنسبة لي؛ ترك برحيله فراغاً كبيراً لا تملؤه الأيام، ولا تعوّضه لقاءات الآخرين وكثير من الناس .
رحمك الله يا (رشيد) رحمةً واسعة، وتقبلك قبولاً حسناً، وأكرم نزلك، ووسّع مدخلك، وجعل قبرك روضة من رياض الجنة، وأسكنك الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
وبارك الله في ذريتك، فقد أحسنت تربيتهم وتعليمهم، وتركت فيهم أثراً طيباً وامتداداً جميلاً لسيرتك العطرة. نسأل الله أن يجعلهم قرة عين لك، وأن يوفقهم إلى كل خير، وأن يجزيك عنهم خير الجزاء.
رحم الله من سبقونا، وأطال أعمار من بقي لنا، وجمعنا جميعاً في مستقر رحمته، حيث لا فراق ولا أحزان ولا وداع.
فالدنيا، مهما طالت، رحلة قصيرة، والأيام تمضي، والأحبة يتساقطون من حولنا واحداً تلو الآخر، ولا يبقى في نهاية المطاف إلا العمل الصالح والذكر الطيب.
إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . غدا ننعم عند مليك مقتدر من رياض الجنة ونعيمها ، متاقبلين على سرر في أنس ، وإحترام ، وكمال الراحة ،

مقالات ذات صلة

إغلاق