Uncategorized

من أعلي المنصة ياسر الفادني الشيطان لم يأتِ لسيدنا آدم بسيف… بل جاءه بفكرة !

من أعلي المنصة

ياسر الفادني

الشيطان لم يأتِ لسيدنا آدم بسيف…
بل جاءه بفكرة !

ليس كل من يقترب منك يحمل نية صافية، وليس كل من يهمس في أذنك يريد لك النجاة، أحيانًا يأتي الخطر في هيئة نصيحة، ويتخفى الشر خلف كلمات ناعمة، فيُقدَّم لك السمّ في كأسٍ من العسل دون أن تنتبه. فالبدايات الخادعة غالبًا لا تطرق الأبواب بعنف، بل تتسلل بهدوء، متزينة بملامح الحرص والاهتمام

منذ فجر الخليقة، لم يبدأ السقوط بتهديدٍ صريح أو مواجهةٍ مباشرة، بل بكلمةٍ لينة تحمل في ظاهرها الخير: (هل أدلك على شجرة الخلد؟) هكذا تكلّم إبليس، لا كعدوٍ واضح، بل كناصحٍ يبدو أمينًا، وكأن الخيانة حين تكتمل لا ترتدي قناع القسوة، بل قناع الحكمة ، وهنا تكمن الخطورة، حين يصبح الباطل مقنعًا، وحين تتخفى النوايا المظلمة خلف عبارات براقة

المأساة الحقيقية أن أخطر الضربات لا تأتي دائمًا من الخصوم، بل من أولئك الذين نظن أنهم الأقرب ، كم من إنسانٍ انخدع بلطف العبارة، وكم من قلبٍ انكسر لأنه لم يشك لحظة في نبرة النصح ، فالكلمات الجميلة ليست دليلًا على صدق القلوب، والنصح لا يعني دائمًا النقاء، بل قد يكون أحيانًا أداة توجيه خفية نحو الهاوية

هناك من يتقن ارتداء عباءة الحكمة، ويتحدث بثقة العارفين، بينما يخفي في داخله نوايا لا تمت للخير بصلة، ينصحك لا ليهديك، بل ليقودك إلى حيث يريد هو، لا حيث ينبغي لك أن تكون وهنا يصبح التمييز ضرورة، ويغدو الوعي درعًا يحميك من الانزلاق خلف بريق الكلمات

كن يقظًا، لا تسلّم عقلك لكل من قال لك أنا أخاف عليك، ولا تفتح قلبك لكل من أتقن لغة الوعظ، تعلّم أن تستمع دون أن تنخدع، وأن تُمحّص دون أن تندفع، وأن تزن الناس بأفعالهم لا بأقوالهم ، فليس كل قلبٍ يخفق يخفق لك، وليس كل يدٍ تمتد إليك تنقذك

إني من منصتي أنظر …. حيث أرى… أن في هذا العالم، قد يكون ألدّ أعدائك هو أكثرهم لطفًا في الحديث، وأكثرهم قدرة على الإقناع حين يبتسم، لذلك تذكّر دائمًا أن الخطر لا يأتي دائمًا صاخبًا، بل قد يأتي هادئًا، مقنعًا، ومغريًا. فالشيطان لم يحتج إلى سيف ليسقط آدم، بل اكتفى بفكرة.

مقالات ذات صلة

إغلاق