Uncategorized
*رسالة في بريد رئيس مجلس الوزراء* *أهمية إنشاء لجان متخصصة لإنقاذ قطاع الزراعة عبر بوابة القطن* *بقلم: عصام الصولي*

*رسالة في بريد رئيس مجلس الوزراء*
*أهمية إنشاء لجان متخصصة لإنقاذ قطاع الزراعة عبر بوابة القطن*
*بقلم: عصام الصولي*
الزراعة في السودان ليست مجرد نشاط اقتصادي، بل هي العمود الفقري للاقتصاد وتاريخه وملاذه عند الأزمات. وحين يبحث الاقتصاديون عن مخرج آمن من الضائقة الراهنة، تتجه كل المؤشرات إلى اتجاه واحد واضح: العودة إلى الأرض، وبالتحديد إلى المحاصيل النقدية التي كانت تسمى يوماً “الذهب الأبيض”.
إن ما تطرحه هذه الرسالة يلتقي مباشرة مع موجهاتكم المعلنة للمرحلة المقبلة، والمتمثلة في التعافي الاقتصادي، وتنمية وتطوير البنيات التحتية، والاهتمام بالزراعة ودعم المنتجين، والتركيز على إحياء القطاع الزراعي والقطن تحديداً، إلى جانب محاربة الفساد، وتسهيل الإجراءات الإدارية، وجلب التمويل، وتشجيع الاستثمار.
القطن: بوابة النقد الأجنبي المنسية
محصول القطن السوداني لم يكن يوماً محصولاً عادياً. هو اسم تجاري عالمي ارتبط لعقود بجودة الألياف الطويلة التي لا تضاهى. الطلب العالمي على القطن الفاخر مستقر، وأسعاره أقل تقلباً مقارنة بالحبوب. لكن بسبب إهمال السياسات، وتدهور البنية التحتية، وتعقيدات التمويل، تراجع إنتاجنا من أكثر من مليوني بالة في تسعينيات القرن الماضي إلى أرقام لا تذكر اليوم.
المشكلة ليست في الأرض ولا في المزارع السوداني. المشكلة تكمن في المنظومة التي تربط المنتج بالسوق العالمي، والتي تحتاج إلى إعادة هندسة كاملة تتماشى مع موجهات الدولة في إحياء القطاع الزراعي.
لماذا لجان متخصصة الآن؟
العمل الموسمي التقليدي عبر الوزارات أثبت قصوره في إدارة ملف بهذا الحجم. ما نحتاجه هو لجان متخصصة تعمل بمنهجية القطاع الخاص وصلاحيات الدولة، وتضم:
1. *خبراء فنيين* في زراعة وإنتاج القطن من جامعة الجزيرة ومراكز البحوث الزراعية.
2. *ممثلين ماليين* من بنك السودان ووزارتي المالية والاستثمار.
3. *خبراء قانونيين ماليين* لوضع هياكل تمويل دولي متوافقة مع القانون السوداني والدولي.
4. *ممثلين عن المزارعين والمصدرين* لضمان واقعية القرارات وربطها بالحقل.
مهمة هذه اللجان إدارة الملف كاملاً من توفير التقاوي المحسنة، والتعاقد مع شركات التمويل، وضمان الجودة، وصولاً إلى فتح الأسواق الخارجية، بما يحقق هدف دعم المنتجين وتشجيع الاستثمار الذي أكدتم عليه.
المفتاح: مصفوفة تمويل خارجي بلا أعباء على الخزينة
العائق الأكبر أمام نهضة القطن هو التمويل. البنوك المحلية عاجزة، والموازنة منهكة. والحل يكمن في استجلاب تمويل خارجي عبر مصفوفة مالية قانونية محكمة تعمل كالآتي:
– التفاوض مع صناديق ومؤسسات تمويل دولية متخصصة في الزراعة المستدامة.
– وضع عقود التمويل تحت إشراف وزارة المالية وبنك السودان المركزي لضمان الشفافية ومحاربة الفساد.
– تسجيل حصائل الصادر من القطن في حساب ضامن لدى بنك السودان، وتخصيص جزء منها آلياً لخدمة الدين وسداد أقساط التمويل.
– بهذه الآلية لا تتحمل الدولة أي أعباء مالية مباشرة. التمويل يُسدد من عائد الصادر نفسه، والمزارع يحصل على مدخلاته، والدولة تحصل على نقد أجنبي صافي.
هذه الآلية تترجم عملياً موجهاتكم في جلب التمويل وتسهيل الإجراءات الإدارية، وتعيد بناء الثقة بين الدولة والمستثمر والمزارع.
الرسالة واضحة
يا دولة الرئيس، السودان لا يحتاج إلى معجزات. يحتاج إلى إدارة احترافية لما يملكه. القطن وحده قادر على توفير ما لا يقل عن مليار دولار من النقد الأجنبي خلال موسمين، وتشغيل مئات الآلاف من الأسر، وإعادة تشغيل مصانع الحلج والنسيج المتوقفة، بما يسهم مباشرة في التعافي الاقتصادي وتنمية البنيات التحتية.
لكن ذلك لن يحدث بالخطابات. سيحدث إذا تشكلت اليوم لجنة بصلاحيات تنفيذية تضع المصفوفة المالية على الطاولة، وتفتح باب التفاوض مع الممولين، وتغلق الباب أمام السماسرة والوسطاء.
الفرصة سانحة. الأسواق العالمية تبحث عن مصادر بديلة للقطن، والمزارع السوداني مستعد للعودة إلى أرضه.
السؤال المطروح: هل نحن مستعدون كدولة لإعادة ترتيب البيت وفق هذه الموجهات؟
التاريخ لا يرحم المترددين.


