Uncategorized
من أعلى المنصّة ياسر الفادني مُلَاح البَرَاطِيش

من أعلى المنصّة
ياسر الفادني
مُلَاح البَرَاطِيش!
أنا أستغرب من هذا الكائن العجيب الذي يسمّونه (حكومة تأسيس) ! . أيّ تأسيس هذا الذي لا تُرى له أعمدة، ولا تُسمع له خطوات، ولا تُشمّ له رائحة إدارة؟ كيف يعمل وزراؤها؟ أين مكاتبهم؟ أين إداراتهم؟ من يوقّع؟ من يتابع؟ من يحاسب؟ أسئلة بسيطة، لكنها في قاموس هذه الحكومة ترفٌ فكري لا مكان له في زحام الفوضى
التجربة معروفة، والذاكرة لم تُصب بالزهايمر بعد، المليشيا حين جرّبت إدارة ما سمّته بالإدارة المدنية في الولايات التي استباحتْها، فشلت فشلاً مدوّياً، حتى وهي تستعين بكوادر (كرتونية) هشة، لا وزن لها ولا جذور، تكسّرت من أول وهلة كما تتكسّر الصحون الرخيصة في أول غسلة
بعضهم هرب بجلده يوم اشتدّ الخناق، بعضهم ركب الموجة حتى الغرق، بعضهم انغمس في الوحل حتى الأذنين، وبعضهم انتهى في قبضة العدالة، حصيلة واحدة: فشل صريح، بلا رتوش
اليوم يعيدون نفس المشهد، بنفس الديكور البائس، ونفس الممثلين الرديئين، ونفس النص الركيك، الفرق الوحيد هو تغيير اللافتة: بالأمس غطاء مدني، واليوم غطاء مليشياوي، الجوهر واحد، والعطب واحد، والنتيجة واحدة: إدارة مشلولة، وخدمات معدومة، ودولة تُدار بعقلية الغنيمة لا بعقلية المؤسسة
هذا العبث يذكّرني تماماً بذلك الذي قرر أن يطبخ (ملاح البراطيش)! : يكبّ الماء، يضع البصل، يلقي بالبراطيش، ينتظرها تغلي، ثم يرفع القدر مزهواً، وحين يمدّ يده للأكل، يكتشف الحقيقة القاسية: لا تُؤكل، ولا تُهضم، ولا تُطاق، هكذا هي هذه الحكومة: ضجيج بلا طعم، وحركة بلا أثر، وطبخة بلا أكل
الدولة لا تُدار بالارتجال، ولا تُبنى بالأوهام، ولا تُحكم بالنسخ الرديئة، الدولة تُبنى بعقول تعرف ماذا تريد، وبأيدٍ نظيفة، وبمشروع واضح، لا بمليشيا تبحث عن شرعية في دفتر الفوضى، ولا بحكومة تُؤسَّس على رمال متحركة
إني من منصتي أنظر…..حيث لا أري أصدق من هذه المقولة :
من يطبخُ البَراطِيشَ، لا يرجو شِبعاً…. ولا يُرتجى منه عَشاء.

