Uncategorized
علاء الدين محمد أبكر يكتب حين يصبح الطعام همّاً…

علاء الدين محمد أبكر يكتب حين يصبح الطعام همّاً…
أصبح السؤال الأول الذي يطرق رأس المواطن السوداني فور أن يفتح عينيه صباحاً ليس “كيف حالك؟” بل “ح ناكل شنو الليلة؟ وح نشرب شنو؟”. تحوّل الأكل من حاجة طبيعية بسيطة إلى هاجس ثقيل، وهمّ يومي ينهش في العقل قبل المعدة.
صباح الخوف من الجوع
في السابق، كان السوداني يصحو على صوت الديكة وريحة الشاي بالحليب، و”لقمة” مضمونة حتى لو كانت كسرة بموية وملح. اليوم، يصحو على حسابات معقدة: كيلو الدقيق بقى بكم؟ البصل انتهى من البيت، الزيت نقطة نقطة، والسكر حلم. الأسرة تجلس صامتة، كل واحد يحسبها في سره، والأم تخفي دمعتها وهي تقلّب في “الحِلّة” الفاضية.
الموظف كان راتبه يستره، والآن أصبح لا يكفي وجبة واحدة لأطفاله. العامل اليومي يرجع آخر النهار ويده فاضية، والبقال رافض الدين لأن دفتر الديون اتملأ. حتى “الرزق اليوم بيومه” بقى سراب.
غياب التكايا… انطفاء آخر شمعة
وسط هذا الظلام، كانت “التكايا” هي بارقة الأمل الوحيدة للفقراء والمساكين وعابري السبيل. قدور كبيرة تنصب في الشوارع، تجود بها أيادي الخير، فيجد الجائع صحن بليلة، أو عدس، أو عصيدة تسد رمقه وتحفظ له ماء وجهه من ذل السؤال.
كانت التكية تعني أنك لن تنام جائعاً. تعني أن في البلد لسه رحمة، ولسه في زول حاسي بيك. الأطفال كانوا يتلموا حولها بفرح، والنساء يحملن الصحون لأطفالهن في البيوت، والشيوخ يجدون فيها لقمة دافئة تستر حالهم.
لكنها توقفت. جفّت قدورها، وانطفأت نيرانها. قيل بسبب الحرب، وقيل بسبب شح الموارد، وقيل بسبب انشغال الناس بأنفسهم. أياً كان السبب، النتيجة واحدة: انقطع آخر حبل كان يربط الفقير بالشبع. وبعدها أصبح الجوع عارياً، بلا غطاء، بلا مجاملة.
المواطن بين المطرقة والسندان
المواطن اليوم يقف حائراً بين سوق يكويه بنار الأسعار، ومرتب لا يرى النور، وتكية أغلقت أبوابها. يشتري ربع كيلو عدس ويقسمه على يومين، يشرب الشاي سادة لأنه “السكر رفاهية”، ويعلم أطفاله الصبر قبل الأبجدية.
تراه في السوق يدور ويسأل عن “الأرخص”، يمسك الطماطم ويتركها، يسأل عن سعر اللحمة من باب العلم بالشيء فقط. حتى “البليلة” التي كانت أكل الفقير، أصبحت حلماً. و”الكسرة” بقت تحتاج وقفة طويلة مع النفس.
لكن إلى متى؟ إلى متى يظل المواطن السوداني يفكر في “اللقمة” قبل أن يفكر في “الحلم”؟ إلى متى يصبح الأكل إنجازاً، والشبع بطولة؟
نحن لا نطلب موائد من ذهب، ولا ولائم ملوك. نطلب فقط أن نضمن لطفلنا صحن عصيدة في الصباح، وكباية شاي في العصر، دون أن تنكسر قلوبنا ودون أن تُراق كرامتنا.
اللهم أطعم جائعنا، وآمن خائفنا، وارزقنا من حيث لا نحتسب. اللهم أعد للتكايا نارها، وللقدور غليانها، وللبيوت سترها. فما عاد في القلب متسع لمزيد من الوجع.
علاء الدين محمد أبكر
alaam9770@gmail.com


