Uncategorized

علاء الدين محمد أبكر يكتب: لهجات الوطن العربي.. حواجز أم جسور؟

علاء الدين محمد أبكر يكتب: لهجات الوطن العربي.. حواجز أم جسور؟

حين تلتقي بفردٍ من دول شمال إفريقيا، تجد نفسك أمام حوارٍ يتطلب جهداً مضاعفاً ليفهم كل طرف الآخر، خاصة إذا كان لسان الحديث هو العربية الفصحى. ولستُ أعمّم هنا، فبين أهل المغرب والجزائر وتونس وليبيا من يجيد الفصحى ويتقنها نطقاً وكتابة، لكنّ نسبةً لا يستهان بها تميل إلى لغةٍ هجينة تمزج بين العربية والأمازيغية والفرنسية، ويضاف إليها الإيطالية في ليبيا، والإسبانية في شمال المغرب.

هذا المزج اللغوي لم يأتِ من فراغ. فهو نتاج تاريخٍ طويل من التعاقب الاستعماري، والاحتكاك الحضاري، والانفتاح على المتوسط. فصارت الفرنسية لغة الإدارة والتعليم العالي، وبقيت الأمازيغية لسان الأرض والأهل، وظلت العربية الفصحى ضيفةً ثقيلةً على اللسان اليومي، تُستدعى في الخطب والنشرات الرسمية فقط.

لهجات الوطن العربي.. حواجز أم جسور؟

المشهد في شمال إفريقيا يفتح الباب لسؤالٍ أوسع عن حال اللسان العربي كله. فمصر لها لهجتها التي تغزو الشاشات، والشام لها موسيقاها الخاصة، واليمن يختلف عن العراق، والسودان لا يشبه الخليج. كل إقليم نسج لهجته من بيئته وتاريخه، حتى صارت الفروق أحياناً تصل إلى حدّ التعذر.

والنتيجة أن المواطن العربي العادي، حين يزور بلداً عربياً آخر، يجد نفسه غريباً لغوياً. لغة الإعلام الرسمي التي تسمعها في نشرات الأخبار لا يعرفها الشارع، ولا يستخدمها الناس في حواراتهم اليومية. صارت الفصحى في نظر الكثيرين “لهجة المنبر والدين”، لا لغة الحياة والشارع. جرب أن تخاطب مواطناً ليبياً بالفصحى في السوق، فقد يقابلك بابتسامة ساخرة أو صمتٍ محرج، لا لأنه لا يعرفها، بل لأنها ليست أداته الطبيعية في التواصل.

تعدد اللهجات.. عائق أم ثراء؟

هنا يطرح السؤال نفسه: هل تعدد اللهجات في الوطن العربي عاملٌ يمنع التواصل بين أبنائه؟
الإجابة ليست مطلقة. فاللهجة ثراء ثقافي وذاكرة شعبية لا ينبغي مصادرتها. لكنها تصبح عائقاً حين تغيب وسيلةٌ مشتركة للتواصل العابر للحدود، وحين يُنظر إلى الفصحى كشيءٍ متعالٍ بعيد عن الواقع.

جامعة الدول العربية تدرك هذه المعضلة نظرياً، لكن العمل الميداني لتقريب المسافات ما يزال خجولاً. المطلوب ليس فرض الفصحى على الشارع، فذلك مستحيل وفاقد للطبيعة اللغوية، وإنما خلق “عربية وسطى” إعلامية وثقافية مفهومة للجميع، وتشجيع التبادل الطلابي والإعلامي والفني ليصبح اللسان العربي المشترك ممارسةً يومية لا قراراً ورقياً.

خاتمة

شمال إفريقيا نموذجٌ مكثف لأزمة اللسان العربي المعاصر: عربيةٌ متجذرة في الهوية، وأمازيغيةٌ حاضرة في الوجدان، وفرنسيةٌ مهيمنة في الفضاء العام. والنتيجة لغةٌ ثلاثية الهوية يصعب فكّ رموزها على القادم من المشرق.

اكتمال مسيرة التكامل المجتمعي العربي لا يكون بالمؤتمرات والبيانات وحدها، بل بكسر الحاجز اللغوي اليومي. فاللغة ليست مجرد كلمات، هي جسرٌ للشعور والفهم. وحين يتعثر الجسر، يتعثر معه الحلم العربي كله.

علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com

مقالات ذات صلة

إغلاق