Uncategorized
علاء الدين محمد ابكر يكتب: الزلزال في تاريخ الشعوب القديمة
علاء الدين محمد ابكر يكتب: الزلزال في تاريخ الشعوب القديمة
كان الزلزال بالنسبة للإنسان القديم ليس مجرد ظاهرة طبيعية، بل حدث كوني يهز الأرض والدين والسياسة معاً. ولأنه لا يمكن التنبؤ به، ارتبط في وعي الشعوب القديمة بالغضب الإلهي، والتحذير، وبداية أو نهاية عصر.
في بلاد الرافدين فسر السومريون والبابليون والآشوريون الزلزال كغضب من “إنليل” إله الهواء والعواصف. في ملحمة جلجامش وردت هزات الأرض كعلامات على غضب الآلهة. وكان الملوك إذا حدث زلزال وقت تتويجهم يطلب الكهنة قرابين إضافية، ودوّنوا الزلازل في “النصوص الفلكية” إلى جانب الخسوف والكسوف.
أما المصريون القدماء فآمنوا بأن الأرض مستقرة لأن “جب” إله الأرض يحملها، و”شو” إله الهواء يفصل بينه وبين السماء. لذلك أي هزة كانت تعني اختلال هذا التوازن وغضب “سِت” إله الفوضى. ولبناء المعابد أساسات ضخمة لتقاوم أي اهتزاز.
عند الإغريق بدأت أول محاولة للتفسير شبه العلمي. هوميروس ربط الزلازل ببوسيدون “هزاز الأرض”. أرسطو قال إنها رياح محبوسة تحت الأرض تبحث عن مخرج. وطاليس قال إن الأرض تطفو على الماء فإذا تحرك الماء اهتزت الأرض.
الرومان ورثوا فكرة “نبتون” من اليونان. وبليني الأكبر دوّن في “التاريخ الطبيعي” زلازل كثيرة وربطها بكسوف الشمس وتغيرات الطقس.
وكان الصينيون الأكثر تقدماً. في عهد أسرة هان سنة 132م اخترع العالم “جانغ هنغ” أول جهاز لرصد الزلازل: وعاء برونزي تسقط منه كرة من فم تنين عند حدوث هزة في اتجاه معين. وربطوا الزلزال بـ “فقدان تفويض السماء” للإمبراطور، فإذا حدث زلزال كبير كان عليه أن يصوم ويعلن التوبة.
وفي حضارات الأمريكيتين اعتبر المايا والأزتك الزلزال حركة لإله الأرض “تيبيك-تليك” وقدموا قرابين لإرضائه. والإنكا بنوا مدنهم مثل ماتشو بيتشو بحجارة متداخلة بدون ملاط لتقاوم الزلازل، واعتبروها غضب “باتشا ماما” إلهة الأرض.
وفي الديانات السماوية جاء الزلزال في إطار أخلاقي: في التوراة زلزال جبل سيناء، وفي الإنجيل “تكون زلازل في أماكن” كعلامة من علامات نهاية الزمان، وفي القرآن “إذا زلزلت الأرض زلزالها” تذكيراً بقدرة الله ويوم القيامة.
ومن أشهر الزلازل التي غيّرت خريطة التاريخ زلزال هليكي في اليونان سنة 373 ق.م، حيث ابتلع البحر مدينة هليكي الغنية على ساحل كورنث في ليلة واحدة بعد زلزال وتسونامي. واعتبرها الإغريق عقاب بوسيدون وسموها “أطلانطس اليونان” وتم اكتشاف أطلالها تحت الماء سنة 2001.
وفي سنة 226 ق.م دمّر زلزال رودس تمثال “كولوس رودس” أحد عجائب الدنيا السبع. انكسر التمثال البرونزي الضخم وبقي ملقى 800 سنة، وغيّر الزلزال ميناء رودس بالكامل.
أما زلزال أنطاكية سنة 115م فوقع أثناء وجود الإمبراطور تراجان في المدينة. انهارت المباني ومات أكثر من 260 ألف شخص. ونجا تراجان بالقفز من النافذة، وأعاد الرومان بناء المدينة من جديد.
وفي سنة 62م صدّع زلزال مدينة بومبي في جنوب إيطاليا، وبعد 17 سنة جاء بركان فيزوف مع زلازل فدفن بومبي وهيركولانيوم تحت الرماد. هذا الدمار حفظ لنا المدينتين كما هما: بيوت، خبز في الأفران، جث متحجرة.
وضرب زلزال القدس سنة 31 ق.م منطقة البحر الميت والقدس في عهد هيرودس، ومات فيه 30 ألف شخص. واستخدمه هيرودس سياسياً ليقول إن نجاة جيشه دليل رضا الله.
ويعد زلزال أنطاكية الكبير سنة 526م من أعنف زلازل التاريخ القديم. وقع وقت احتفالات الصعود ومات فيه 250 إلى 300 ألف شخص. احترقت المدينة بعده، وأعاد الإمبراطور جستنيان بناءها وسماها “ثيوبوليس” أي مدينة الله.
وفي الصين دوّن مؤرخو أسرة تشو أقدم زلزال موثق بدقة سنة 780 ق.م وقالوا: “الجبال تحركت والأنهار جفت”. فقد غيّر مجرى أنهار وأسقط مدناً كاملة.
خرجت الشعوب القديمة من مواجهتها مع الزلازل بثلاثة دروس. أولها في العمارة، حيث طور الرومان الأقواس والقباب، والإنكا الحجارة المتداخلة المقاومة للهزات. وثانيها في الدين والسياسة، فكل زلزال كبير كانت تتبعه موجة تدين وتوبة، وسقوط حكام ربط الناس بينهم وبين غضب السماء. وثالثها في العلم، الذي بدأ من أسطورة “هزاز الأرض” عند اليونان، إلى جهاز الرصد الصيني، إلى محاولات فهم الأرض.
وفي العصر الحديث تغيرت نظرتنا تماماً. لم نعد نربط الزلزال بغضب الآلهة، بل بعلوم الجيولوجيا وحركة الصفائح التكتونية. ففهمنا أن القشرة الأرضية مقسمة إلى 12 صفيحة تتحرك ببطء، وعندما تحتك أو تتصادم يحدث الزلزال.
ومع هذا الفهم ظهرت أدوات جديدة مثل أجهزة الرصد الزلزالي التي تعطي إنذاراً مبكراً بثواني، وكودات البناء المقاومة للزلازل في اليابان وكاليفورنيا، وخرائط المخاطر التي تحدد المناطق الأكثر عرضة مثل “حزام النار” في المحيط الهادي.
لكن رغم كل العلم، يبقى الزلزال يذكّرنا بحدّين: حدّ العجز البشري أمام قوة الطبيعة، كما في زلزال لشبونة 1755م، وزلزال اليابان 2011م، وزلزال تركيا وسوريا 2023م. وحدّ التضامن الإنساني الذي يظهر بعده مباشرة في الإغاثة وإعادة البناء.
الزلزال كان رسالة من الأرض للإنسان القديم. يخافه في البداية، ثم يحاول فهمه، ثم يبني ليقاومه. ومن هنا بدأت رحلتنا الطويلة من الخوف من غضب الآلهة إلى دراسة حركة صفائح الأرض. وحتى اليوم، وبعد آلاف السنين، ما زلنا نرتجف عند كلمة “هزة أرضية” بنفس الرهبة التي ارتجف بها أجدادنا، لكن بوعي مختلف.
علاء الدين محمد ابكر alaam9770@gmail.com


