Uncategorized

المسكوت عنه الاتحاد بين السودان وجنوب السودان يبدأ بإصلاح الدولة المتبقية… لا بإعادة الجنوب بقلم/ أنقوك مليك أكوك

المسكوت عنه
الاتحاد بين السودان وجنوب السودان يبدأ بإصلاح الدولة المتبقية… لا بإعادة الجنوب

بقلم/ أنقوك مليك أكوك

اطلعت باهتمام على مقال الأستاذ علاء الدين محمد أبكر في صحيفة البصيرة الإلكترونية بعنوان “الاتحاد الجديد: شمال وجنوب السودان… وطن واحد بأسس جديدة”،وهو مقال يعكس حرصًا على مستقبل الشعبين، ويستحق أن يُناقش بروح المسؤولية لا بروح الخصومة،غير أنني أختلف مع الفكرة الجوهرية التي طرحها، وهي الدعوة إلى إعادة الاتحاد بين السودان وجنوب السودان في صيغة كنفدرالية أو أي صيغة أخرى، لأن الطريق إلى أي اتحاد محتمل لا يبدأ بإقناع الجنوب بالعودة، وإنما يبدأ بإصلاح الدولة السودانية المتبقية، ومعالجة الأسباب التي دفعت الجنوبيين أصلًا إلى اختيار الانفصال.

إن المشكلة لم تكن يومًا في فكرة الوحدة، وإنما في طبيعة الدولة التي قامت عليها تلك الوحدة. ولذلك فإن إعادة طرح المشروع نفسه، دون معالجة جذور الأزمة، يعني إعادة إنتاج الأسباب ذاتها التي قادت إلى الانفصال.

لقد أثبت التاريخ أن جنوب السودان لم يكن رافضًا للوحدة من حيث المبدأ، بل ظل يطالب بوحدة قائمة على العدالة والمساواة. ففي عام 1972 أنهت اتفاقية أديس أبابا حربًا أهلية استمرت سبعة عشر عامًا، ومنحت الجنوب حكمًا ذاتيًا داخل السودان الموحد، باعتبارها تسوية تاريخية تحافظ على وحدة البلاد وتعترف بحق الجنوبيين في إدارة شؤونهم،لكن تلك الفرصة ضاعت عندما أُلغي جوهر الاتفاقية عام 1983 بقرارات الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري التي أنهت الحكم الذاتي وقسمت الجنوب وفرضت قوانين سبتمبر، فعادت الحرب بصورة أكثر عنفًا.

وعندما تأسست الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الدكتور جون قرنق دي مبيور، 1983،لم يكن مشروعها هو الانفصال، كما يعتقد كثيرون، وإنما مشروع “السودان الجديد”؛ وهو مشروع سياسي كان يدعو إلى إعادة تأسيس الدولة السودانية على أساس المواطنة المتساوية، وتقاسم السلطة والثروة، واحترام التنوع الديني والثقافي والعرقي، وإنهاء احتكار السلطة والثروة بواسطة نخبة محدودة. لقد كان مشروعًا لإنقاذ وحدة السودان عبر إصلاح الدولة، لا عبر تقسيمها.

وعندما جاءت اتفاقية السلام الشامل (نيفاشا) عام 2005، قبلت الحركة الشعبية بحق تقرير المصير، ليس لأن الانفصال كان هدفها، وإنما لأنها رأت أن منح شعب جنوب السودان حرية الاختيار هو الضمان الوحيد لوحدة تقوم على الرضا لا على الإكراه،ولهذا نصت الاتفاقية على فترة انتقالية مدتها ست سنوات، يكون هدفها جعل الوحدة خيارًا جاذبًا عبر التحول الديمقراطي، وإعادة هيكلة الدولة، وتقاسم السلطة والثروة، وإزالة أسباب الحرب.

ولو كانت الحركة الشعبية تسعى إلى الانفصال منذ البداية، لما وافقت على تلك الفترة الانتقالية، ولما ربطت مستقبل السودان بقدرة الدولة على إصلاح نفسها. لكن الإصلاحات الجوهرية لم تتحقق، ولم تتغير طبيعة الدولة بالشكل الذي يمنح الجنوبيين الثقة في مستقبل مشترك، فجاء استفتاء يناير 2011 ليعبر عن فقدان تلك الثقة أكثر مما عبر عن رفض التعايش، وصوت شعب جنوب السودان بأغلبية ساحقة لصالح الاستقلال.

واليوم، وبعد أكثر من خمسة عشر عامًا على الانفصال، تُطرح الدعوة إلى اتحاد جديد وكأنها فكرة غير مسبوقة، بينما الحقيقة أنها تعيد إنتاج مشروع سبق أن طُرح بصورة أكثر عمقًا ونضجًا، وقوبل بالرفض. والسؤال الحقيقي ليس: هل يعود جنوب السودان إلى الاتحاد؟ بل: ما الذي تغيّر في السودان حتى تصبح العودة ممكنة؟

وهنا تكمن جوهر القضية. فالدول لا تُقاس بحجمها الجغرافي، وإنما بقدرتها على إدارة التنوع، وتحقيق العدالة، وبناء السلام الداخلي. والدولة التي لا تزال تخوض حربًا داخل حدودها، وتعاني أزمات السلطة والهوية والتهميش، وتواجه انقسامات بين مكوناتها، تحتاج أولًا إلى إصلاح نفسها قبل أن تدعو دولة مستقلة إلى الاتحاد معها.

إن الحرب الدائرة اليوم في السودان ليست صراعًا بين الشمال والجنوب، وإنما صراع داخل الدولة السودانية نفسها، وهو دليل على أن كثيرًا من الأسباب التي دفعت الجنوب إلى الانفصال لا تزال قائمة،وما تزال قضايا التهميش، وأزمة الهوية الوطنية، وغياب المشروع الجامع، والصراع على السلطة، تلقي بظلالها على الواقع السوداني.

كما أن المراجعة الفكرية المطلوبة داخل السودان لم تكتمل بعد، فما زالت بعض النخب السياسية والثقافية عاجزة عن الاعتراف الكامل بالتعدد الذي يميز السودان، وما زالت بعض الخطابات تحمل بقايا ثقافة الاستعلاء والتمييز التي ناضلت ضدها الحركة الشعبية منذ تأسيسها،ولذلك فإن الحديث عن اتحاد جديد قبل معالجة هذه القضايا يبدو قفزًا على حقائق التاريخ أكثر منه مشروعًا سياسيًا واقعيًا.

إن السودان اليوم هو الأحوج إلى إنجاز مشروع “السودان الجديد” داخل حدوده الحالية، وإثبات قدرته على بناء دولة المواطنة، وسيادة القانون، والعدالة، والديمقراطية. فإذا نجح في ذلك، فسيصبح نموذجًا جاذبًا لشعبه أولًا، ولجيرانه ثانيًا، وستنشأ بينه وبين جنوب السودان علاقات تقوم على الثقة والاحترام المتبادل، لا على الشعارات.

أما جنوب السودان، فهو دولة مستقلة ذات سيادة، اختار شعبها هذا الطريق عبر استفتاء حر اعترف به السودان نفسه قبل المجتمع الدولي، ولذلك فإن مستقبل العلاقة بين البلدين ينبغي أن يقوم على حسن الجوار، والتكامل الاقتصادي، وحرية حركة المواطنين، والتعاون في مجالات الأمن، والتجارة، والطاقة، والبنية التحتية، واحترام سيادة كل دولة، لا على إعادة إنتاج مشروع سبق أن أُتيحت له فرصتان تاريخيتان،الأولى في أديس أبابا عام 1972،والثانية في نيفاشا عام 2005، لكنهما تعثرتا لأن الأزمة كانت دائمًا في بنية الدولة، لا في رغبة الجنوبيين في العيش المشترك.

إن التاريخ يعلمنا أن الوحدة لا تُفرض بالقوة، ولا تُستعاد بالحنين، وإنما تُبنى بالعدل والثقة. ولذلك فإن الاتحاد بين السودان وجنوب السودان، إن كان له أن يصبح ممكنًا في يوم من الأيام، فلن يبدأ بإعادة الجنوب، بل سيبدأ عندما ينجح السودان في إصلاح دولته، وإنهاء حروبه، وبناء دولة يتساوى فيها جميع المواطني

مقالات ذات صلة

إغلاق