Uncategorized
🌿 حوار مع المهندسة الزراعية منى إسماعيل: «الزراعة المنزلية طوق نجاة للاقتصاد الأسري ونافذة أمل في زمن الحرب»

🌿 حوار مع المهندسة الزراعية منى إسماعيل: «الزراعة المنزلية طوق نجاة للاقتصاد الأسري ونافذة أمل في زمن الحرب»
إجراء الحوار: علاء الدين محمد أبكر
في ظل الأزمات المعيشية الشديدة والتحولات الاقتصادية القاسية التي يمر بها السودان جراء الحرب والتداعيات المستمرة منذ سنوات، بات البحث عن حلول مستدامة من داخل البيوت ضرورة ملحة لا رفاهية. من قلب هذه التحديات، تبرز مبادرات فردية تحاول إعادة بناء الأمل وتحقيق نوع من الاكتفاء الذاتي المصغر ، التقينا بالمهندسة الزراعية منى إسماعيل أحمد، (بنت بحري) والمتخصصة في هندسة البساتين، لنغوص معها في أبعاد مشروع “الحديقة المنزلية الإنتاجية”، ونستكشف كيف يمكن لقطعة أرض صغيرة أو بضعة أصص أن تتحول إلى مصدر غذاء، ومساحة للتكافل المجتمعي، وملاذ نفسي للأسر السودانية.
•بدايةً باشمهندسة منى، مرحباً بكِ عبر هذا الحوار العميق. نود أن نتعرف عن قرب على نشأتكِ ومسيرتكِ الأكاديمية والمهنية المتنوعة؟
مهندس منى: أهلاً وسهلاً بك أستاذ علاء الدين، وأحييك على تسليط الضوء على هذا الموضوع الحيوي الذي يمس كل بيت سوداني في هذه الأوقات الحرجة.
أنا منى إسماعيل أحمد، نشأتُ وترعرعتُ في أحياء الخرطوم بحري العريقة، وتحديداً في حي “الختمية”. تلقيتُ تعلييمي في المدارس الأهلية ببحري، ثم المرحلة المتوسطة بالمدرسة الأميرية، والثانوية بمدرسة شمبات التجارية.
بدأت رحلتي الجامعية بالتحاقي بكلية الاتصال (Communication) بجامعة أم درمان الأهلية، وهو المجال الذي أضاف لي الكثير في كيفية التواصل ونقل الأفكار. لكن شغفي الأصيل بالخضرة والجمال والبيئة دفعتني لإعادة توجيه مساري الأكاديمي، فالتحقتُ بجامعة الخرطوم — كلية الزراعة (قسم هندسة البساتين)، حيث تخرجت بدرجة مهندسة زراعية متخصصة. وحالياً، أترجم هذا الشغف والخبرة أسبوعياً وعملياً من خلال مشتلي الخاص بشرق النيل، وتحديداً في سوق (6) بالحاج يوسف — شارع المشاتل.
• تتحدثين بشغف كبير عن “هندسة البساتين”.. ما الذي يمثله هذا التخصص تحديداً في ظل الظروف الحالية للسودان؟
مهندسة. منى: هندسة البساتين ليست مجرد تخصص أكاديمي يعتني بالنبات، بل هي “علم وفن وصناعة حياة”. يتناول هذا المجال كل ما يتعلق بالتنسيق، إعداد التربة، تجهيز الأصص، واختيار الشتول المثمرة أو نباتات الزينة والتنسيق الداخلي والخارجي.
في وضعنا الراهن بالسودان، أرى أن البساتين يجب أن تنتقل من مفهوم “التجميل” إلى مفهوم “التمكين الأسري”. من حق كل بيت سوداني، بل من الضروري له، أن يكون ملمّاً بأساسيات هذا المجال؛ لأن امتلاك المعرفة الزراعية البسيطة يمنح الأسرة قدرة على الإنتاج والاعتماد على الذات ولو في حدها الأدنى.
• نمر جميعاً بظروف اقتصادية قاسية جداً وشاملة لكافة طبقات المجتمع.. كيف ترى المهندسة منى دور “الزراعة المنزلية” في تخفيف هذه الأعباء؟
مهندسة. منى: للأسف، التدهور الاقتصادي وتأثيرات الحرب جعلت المجتمع كله في خندق واحد من حيث ضغط التكاليف المعيشية. هنا يأتي دور “الأسرة المنتجة”.
الزراعة المنزلية تُقلل الفاتورة المباشرة لشراء الخضروات اليومية الأساسية. عندما تُنتج الأسرة داخل حوشها محاصيل سريعة النمو ومتكررة القطاف مثل: الشطة، الفلفلية، الباذنجان (الأسود)، الخضرة، والرجلة، فإنها توفر مبالغ مالية يومية مقدرة. هذه الورقيات والخضار لا تتطلب مزارع ضخمة؛ بل يمكن زراعتها في مساحات مصغرة جداً، أو حتى باستخدام الجرادل البلاستيكية والأواني القديمة والأصص المتاحة في كل منزل.
البعض قد يتحجج بضيق المساحة في المنازل أو عدم توفر أراضٍ صالحة للزراعة..
• كيف يمكن تجاوز هذه العقبة؟
مهندسة. منى هذه واحدة من أكبر المفاهيم الخاطئة. الزراعة الحديثة تغلبت على المساحة. يمكنك تحويل أركان المنزل، أو السطح، أو الشرفات إلى حديقة منتجة باستخدام:
1. الجرادل والأوعية المستعملة: أي جردل بوية قديم أو وعاء بلاستيكي بعد ثقبه من الأسفل يصبح حوضاً زراعياً مثالياً.
2. الأصص الاقتصادية: استخدام أكياس الشتول والأصص الفخارية أو البلاستيكية البسيطة.
3. التسميد المنزلي: الاعتماد على السماد العضوي المصنوع من مخلفات المطبخ (قشور الخضار والفواكه) لتغذية التربة دون تكلفة شراء أسمدة كيميائية.
• بالنسبة للأشجار المثمرة كالمناجو والليمون والبرتقال..هل من الممكن فعلياً زراعتها في الأحوشة الصغيرة والحصول على ثمار سريعة؟
مهندسة منى: نعم بالتأكيد! وهذا ما نركز عليه دائماً. هناك ما يُعرف بـ الأشجار المطعّمة والقزمة (Dwarf & Grafted Trees). هذه الأشجار تم تعديلها وتقزيمها لتثمر في أصص كبيرة أو في مساحات أرضية صغيرة جداً لا تتجاوز متراً مربعاً.
تتميز هذه الأشجار بنسبة نجاح عالية جداً تصل إلى 100% إذا حظيت بالرعاية الأساسية، وهي تثمر في نفس العام أو في فترات قياسية مقارنة بالشتلات التقليدية. تخيل أن شجرة ليمون واحدة مطعّمة في حوش البيت كفيلة بتغطية حاجة الأسرة طوال العام، بالإضافة إلى دورها في تلطيف المناخ وتوفير الظل ونقاء الهواء في ظل حرارة الطقس.
• طرحتِ فكرة لافتة جداً وهي “التكافل الأخضر” أو تبادل المحاصيل بين الجيران.. كيف يتكامل هذا المفهوم اجتماعياً؟
مهندس منى: المجتمع السوداني معروف بأصالته وتكافله، والزراعة المنزلية تعزز هذا المفهوم بشكل عملي. إذا زرع البيت (أ) الشطة والجرجير، وزرع البيت (ب) المكتفي بجواره الباذنجان والعجور، يمكن أن يحدث تبادل مباشر ومستمر للمحاصيل بين الجيران.
هذا التبادل يخلق شبكة أمان غذائي مصغرة على مستوى الحي، ويخفف الضغط المالي عن الجميع، فوق أنه يقوي الأواصر الاجتماعية والروح الجادة في مواجهة الظروف الصعبة.
إلى جانب المردود الاقتصادي والغذائي..
• ما هو الأثر النفسي المعنوي لانتشار الخضرة والزهور داخل المنزل في أوقات الأزمات؟
مهندسة. منى: الأثر النفسي قد يكون أهم حتى من الأثر الاقتصادي في الوقت الحالي. نحن نعيش تحت ضغوط نفسية وقلق مستمر بسبب ظروف الحرب وتداعياتها. العناية بـ 10 أو 20 أصيصاً من زهور الزينة أو النباتات الخضراء ليست رفاهية على الإطلاق.
اللون الأخضر، ورائحة الأزهار، ورؤية النبات وهو ينمو يوماً بعد يوم تُعطي شحنة هائلة من الأمل، وتبعث الهدوء النفسي، وترفع الروح المعنوية للأطفال والكبار داخل المنزل. حديقة البيت هي زينة للحياة بأكملها ومصدر للطاقة الإيجابية.
• بصفتكِ صاحبة مشتل في شرق النيل (الحاج يوسف – سوق 6).. ما هي الخدمات أو الدعم الذي تقدمونه للراغبين في بدء حديقتهم المنزلية
مهندسة منى: مشتلنا بـ شارع المشاتل بسوق (6) في الحاج يوسف مفتوح دائماً لكل من يبحث عن بداية جديدة. نحن لا نبيع الشتول والأصص والبذور فحسب، بل نقدم استشارات زراعية مجانية حول كيفية تجهيز التربة المنزلية، واختيار الشتول المطعّمة الناجحة، وطرق العناية بالنباتات بأقل التكاليف الممكنة، لتشجيع أكبر عدد من الأسر على التحول إلى أسر منتجة.
• رسالة أخيرة حاسمة توجهينها للشارع والأسرة السودانية عبر هذا اللقاء؟
مهندسة منى: رسالتي لكل بيت سوداني: لا تنتظروا تحسن الظروف لنبدأ الحياة، بل ابدأوا بذر بذور الأمل من داخل منازلكم اليوم. أوانٍ قديمة، بضع بذور من المطبخ، وقليل من الماء والرعاية كفيلة بأن تحول بيوتنا إلى واحات خضراء منتجة.
بالزراعة والتكافل والأمل، سنعبر هذه المرحلة القاسية بإذن الله. وأكرر شكري الموصول لك أستاذ علاء الدين محمد أبكر على هذا الحوار الشامل والمثمر، متمنية لسوداننا الحبيب الفرج والقوة والازدهار



