Uncategorized

الاحتفال بمولده ( ص).. اتركوا البدع «مدار الفهم» *✍️ بقلم: فهمي إبراهيم*

*هل نحن أفضل من الصحابة والتابعين في الاحتفال بالمولد النبوي الشريف؟*

«مدار الفهم»

*✍️ بقلم: فهمي إبراهيم*

هناك أسئلة لا تحتاج إلى صراخ حتى تكون قوية، ولا تحتاج إلى خصومة حتى تكون محرجة؛ يكفي أن نضعها أمام الناس، ثم نترك للعقل أن يبحث عن الإجابة.

ومن أكثر الأسئلة التي تستحق أن تطرح بهدوء في كل موسم للمولد النبوي الشريف:

هل نحن أحب للنبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه؟

والسؤال الأكثر صراحة:

هل نحن أفضل من الصحابة والتابعين في معرفة كيفية الاحتفاء برسول الله صلى الله عليه وسلم؟

هنا ينبغي أن نتوقف، وأن نبحث عن الحقيقة كما هي، بعيدا عن العاطفة الزائدة، وبعيدا عن تزيين البدعة باسم المحبة.

ماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم في يوم مولده؟

هذه أول نقطة يجب أن نبدأ منها.

ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صيام يوم الاثنين، فقال:

«ذلك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت أو أنزل علي فيه».

فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكر يوم مولده، لكن لم يثبت عنه أنه أقام احتفالا سنويا بالمولد، ولا دعا أصحابه إلى اجتماع خاص بهذه المناسبة، ولا أمرهم بإقامة احتفال في شهر ربيع الأول.

وهنا يجب أن نفرق بين أمرين:

أن نعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر يوم مولده وشرع صيام يوم الاثنين.

وبين أن نقول إن النبي صلى الله عليه وسلم شرع لنا احتفالا سنويا بمولده.

الأول ثابت بالحديث، أما الثاني فلا يوجد حديث صحيح يأمر بإقامة احتفال سنوي بالمولد.

طيب.. ماذا عن الصحابة؟

هنا يأتي السؤال الذي أراه جوهر القضية كلها.

الصحابة كانوا أكثر الناس حبا للنبي صلى الله عليه وسلم، وأكثر الناس معرفة بسنته، وأشد الناس حرصا على الاقتداء به.

فهل ثبت عن أبي بكر الصديق؟

هل ثبت عن عمر بن الخطاب؟

هل ثبت عن عثمان؟

هل ثبت عن علي؟

هل ثبت عن ابن عباس أو ابن عمر أو أبي هريرة أو عائشة رضي الله عنهم أنهم أقاموا احتفالا سنويا بمولد النبي صلى الله عليه وسلم؟

لا.

لا نملك دليلا ثابتا عن الصحابة أنهم فعلوا ذلك.

وهنا يجب أن نكون صريحين:

لم يكن الاحتفال السنوي بالمولد النبوي معروفا بهذه الصورة عند النبي صلى الله عليه وسلم ولا عند أصحابه.

يعني ببساطة:

هل نحن أفضل من هؤلاء في حب النبي صلى الله عليه وسلم؟

هل نحن أكثر محبة له من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة؟

إذا كانت الإجابة:

لا.

فلماذا نأتي اليوم بفعل لم يفعله أولئك الذين كانوا أقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأعرف الناس بسنته؟

اتركوا البدعة، وابدأوا التغيير من أنفسكم.

وماذا عن التابعين؟

والسؤال ينتقل بصورة طبيعية إلى الجيل الذي جاء بعد الصحابة:

هل احتفل التابعون بالمولد النبوي احتفالا سنويا؟

مرة أخرى، لا يوجد نقل ثابت مشهور عن التابعين يدل على أنهم جعلوا يوم المولد مناسبة سنوية بالشكل المعروف لاحقا.

وهنا تصبح المسألة أكثر وضوحا:

ثلاثة أجيال كانت أقرب إلى عهد النبوة، وأكثر معرفة بالسنة، وأشد حبا للنبي صلى الله عليه وسلم، ولم يثبت عنها هذا الاحتفال بصورته السنوية المعروفة.

فماذا يعني ذلك؟

يعني أن الاحتفال بالمولد ليس سنة نبوية فعلها النبي صلى الله عليه وسلم، ولا سنة فعلها الصحابة والتابعون.

وإنما ظهر في عصور متأخرة.

وهنا ينبغي أن نتوقف عن تغليف الأمر بكلمة «المحبة».

لا تجعلوا البدعة جسرا إلى قلوب الناس باسم حب النبي صلى الله عليه وسلم.

محبة النبي صلى الله عليه وسلم لا تحتاج إلى بدعة حتى تثبت.

ومتى ظهر الاحتفال بالمولد؟

الاحتفال المنظم بالمولد ظهر في عصور متأخرة عن عصر النبوة والصحابة، وكان للفاطميين دور مبكر في إقامة هذه الاحتفالات، ثم تطورت صور الاحتفال وانتشرت في بيئات إسلامية أخرى.

وهنا لا بد من التفريق بين الحقيقة التاريخية والحكم الشرعي.

ظهور شيء في التاريخ لا يعني بالضرورة أنه سنة نبوية.

فالميزان ليس:

من فعلها بعد ذلك؟

بل:

هل فعلها النبي صلى الله عليه وسلم؟ وهل فعلها أصحابه؟ وهل ثبتت عن التابعين؟

لكن السؤال الذي يوجع أكثر

إذا كان الصحابة لم يحتفلوا بالمولد، والتابعون لم يثبت عنهم ذلك، فمن أين جاءت فكرة أن عدم الاحتفال يعني نقص المحبة؟

وهنا أقول:

المحبة لا تقاس بعدد الاحتفالات.

أبو بكر رضي الله عنه أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقه ونصره.

وعمر رضي الله عنه أحبه واتبع سنته.

والصحابة قدموا أرواحهم وأموالهم دفاعا عنه، وحفظوا سنته، ونقلوا حديثه، وطبقوا هديه.

فهل كان حبهم ناقصا لأنهم لم يقيموا احتفالا سنويا بالمولد؟

بالطبع لا.

إذن:

لا تجعلوا المولد مقياسا لمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

المحبة الحقيقية.. اتباع

لا خلاف في أن محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم واجبة.

ولا خلاف في فضل الصلاة والسلام عليه.

ولا خلاف في وجوب دراسة سيرته والاقتداء بأخلاقه وسنته.

لكن المحبة الحقيقية ليست كلمات تقال، ولا مناسبة تمر كل عام.

المحبة الحقيقية أن تتبع.

أن تصدق في معاملاتك.

أن تحفظ لسانك.

أن ترحم الضعيف.

أن تصل رحمك.

أن تؤدي الأمانة.

أن تبتعد عن الظلم.

أن تصلي عليه صلى الله عليه وسلم.

أن تتعلم سنته.

أن تعرف سيرته.

وأن تجعل أخلاقه حاضرة في بيتك وسوقك وعملك وشارعك.

فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يأت ليكون موسما سنويا.

جاء ليكون منهجا للحياة.

المولد الحقيقي ليس ليلة واحدة

إذا كان حبنا للنبي صلى الله عليه وسلم يظهر في ليلة واحدة ثم يختفي في بقية العام، فالمشكلة ليست في عدد الاحتفالات.

المشكلة في فهم المحبة نفسها.

ما قيمة أن نحتفل بالنبي صلى الله عليه وسلم، ثم نكذب؟

ما قيمة أن نرفع أصواتنا بالصلاة عليه، ثم نظلم الناس؟

ما قيمة أن نتحدث عن سيرته، ثم نخالف أخلاقه؟

ما قيمة أن نحتفل بمولده، بينما سنته غائبة عن معاملاتنا وبيوتنا وأخلاقنا؟

المحبة اتباع قبل أن تكون احتفالا.

والسؤال يبقى قائما

لنطرح السؤال مرة أخرى بلا استفزاز:

هل نحن أفضل من الصحابة والتابعين في حب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

لا.

ولا يمكن لمسلم عاقل أن يدعي ذلك.

وهل كانوا أقل منا محبة لأنهم لم يقيموا احتفالا سنويا بالمولد؟

أيضا لا.

إذن علينا أن نخرج من هذه المعركة، وأن نعود إلى الأصل:

اتباع النبي صلى الله عليه وسلم.

وليكن النقاش علميا واضحا:

هل ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الاحتفال السنوي بالمولد؟

لا.

هل ثبت عن الصحابة أنهم أقاموا هذا الاحتفال؟

لا.

هل ثبت عن التابعين أنهم أقاموه؟

لا.

هل ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر يوم مولده؟

نعم.

وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم قوله عن يوم الاثنين:

«ذلك يوم ولدت فيه».

فلا نخلط بين ثبوت ذكر يوم مولده وبين ثبوت الاحتفال السنوي بالمولد.

وهنا ينتهي دور العاطفة العمياء، ويبدأ دور العلم.

أبو الفهم يقول:

فالذي يحب النبي صلى الله عليه وسلم فليتبعه.

والذي يريد أن ينصر سنته، فليحي سنته في أخلاقه ومعاملاته.

والذي يريد أن يكثر من الصلاة عليه، فليكثر منها في كل يوم، لا في مناسبة واحدة.

والذي يريد أن يعرفه، فليقرأ سيرته.

والذي يريد أن يثبت محبته، فليسأل نفسه سؤالا واحدا:

هل اتبعت محمدا صلى الله عليه وسلم؟

لأن المحبة التي لا تتحول إلى أخلاق وسلوك واتباع، تحتاج إلى مراجعة.

والاحتفال الذي لا يقود إلى معرفة النبي صلى الله عليه وسلم واتباع سنته، يبقى مجرد مناسبة.

أما محمد صلى الله عليه وسلم، فليس مناسبة في التقويم.

محمد صلى الله عليه وسلم رسالة، وسيرة، ومنهج، وقدوة.

وهذا هو «مدار الفهم»

مقالات ذات صلة

إغلاق