Uncategorized

امنحوا المواطن أرضاً جرداء بدلاً من السكن الشعبي بقلم / علاء الدين محمد ابكر

امنحوا المواطن أرضاً جرداء بدلاً من السكن الشعبي

بقلم / علاء الدين محمد ابكر

من المفارقات القاسية في بلادنا أننا نعيش في أكبر دولة في أفريقيا والوطن العربي مساحة، ومع ذلك يعاني قطاع واسع من المواطنين في العثور على سكن يأويهم. أرض شاسعة تتسع لملايين، ومواطن يفترش الإيجارات ويطاردها آخر الشهر.

كانت لدينا في السابق تجربة بسيطة وناجحة وعادلة اسمها “الخطة السكنية”. كانت الدولة تقوم بدورها الطبيعي: تخطيط الأحياء، وتوصيل الخدمات الأساسية، ثم تمنح المواطن المستحق قطعة أرض “جرداء”. وبعد ذلك يترك له حرية البناء. يبني غرفة اليوم وغرفتين غداً، حسب دخله وحسب ظروفه. كان المواطن يشعر أنه مالك، وأن له كرامة، وأن بيته سيكبر معه ومع أولاده.

ولكن في تسعينات القرن الماضي جاءت فكرة “السكن الشعبي”. والفكرة في ظاهرها إنسانية ورحيمة. أن تتكفل الدولة ببناء المنزل كاملاً وتسلمه للمواطن مفتاحاً. منزل جاهز من 3 غرف وحمام ومطبخ.

المشكلة أن هذه الفكرة الجميلة اصطدمت بواقع مرير اسمه الإمكانيات. بناء مئات الآلاف من المنازل يحتاج إلى مليارات، ويحتاج إلى زمن، ويحتاج إلى إدارة. ونحن لا نملك شيئاً من ذلك. فكانت النتيجة الطبيعية هي التعثر والفشل.

والدليل الذي لا يكذب ظهر قبل أيام. تم الإعلان عن كشف المقدمين للسكن الشعبي للعام 2016م. نعم، قبل عشر سنوات كاملة. هذا يعني أن الدولة أنهت للتو طلبات من قدموا في 2016. فأين نحن ممن قدموا في 2017 و 2018 و 2019؟ وأنا واحد من هؤلاء المنتظرين. هذا يعني ببساطة أننا سننتظر عشرات السنين أخرى حتى يأتي دورنا. عشرات السنين ندفع فيها إيجارات صارت فوق طاقة الاحتمال. مرتب كامل يذهب لصاحب البيت، ولا يتبقى للأكل والعلاج والتعليم.

وهنا يأتي السؤال الذي يوجع: لماذا الإصرار على هذا النموذج الفاشل؟ لماذا لا تعود الحكومة إلى الأصل؟ لماذا لا تمنح المواطن قطعة أرض جرداء بدلاً من أن تضعه في طابور لن ينتهي؟

الأعمار بيد الله، ولكن لماذا نحرم مواطناً يريد أن يبني بيته بنفسه؟ لماذا نحرمه من أبسط حقوقه وهو أن يمتلك أرضاً ويضع فيها أول طوبة بعرق جبينه؟ دعوه يبني على مزاجه. دعوه يبني غرفة ويسكن فيها، ثم يزيد عليها بعد سنة. دعوه يشعر بالاستقرار.

الحل العملي واضح ولا يحتاج إلى عبقرية. الحل أن تتحول الدولة من “مقاول بناء” إلى “دولة تخطيط وخدمات”.

المطلوب من كل ولاية أن تقوم بمسح ميداني واسع. تحدد مساحات شاسعة في أطراف المدن لتكون مدناً سكنية جديدة. تقوم الدولة بتخطيطها تخطيطاً هندسياً سليماً، ثم توصل لها أهم ثلاث خدمات: الماء والكهرباء والطريق. وبعد ذلك تمنح المواطن قطعة الأرض. فقط.

لا تبنِ له، ولا تتحمل تكلفة الطوب والأسمنت. اترك البناء للمواطن. الغني سيبني فيلا، والمتوسط سيبني بيتاً من طابقين، والبسيط سيبني غرفتين من الطوب. وبهذه الطريقة سنخلق حركة اقتصادية ضخمة في قطاع البناء، وسنشغل ملايين الشباب من المهندسين والبنائين والعمال.

تخيلوا معي لو تم هذا القرار غداً. خلال 5 سنوات ستظهر أحياء جديدة في كل مدن السودان. سينخفض الإيجار تلقائياً لأن العرض سيزيد. سيتزوج الشباب. ستستقر الأسر. وسنقضي على أزمة السكن التي نعاني منها منذ 30 عاماً.

التمسك بمشروع السكن الشعبي في ظل أوضاعنا الحالية هو هروب من الواقع. هو وعد لا يمكن الوفاء به، وهو قتل لطموح جيل كامل سيقضي عمره منتظراً “الكشف”.

في الختام.. المواطن السوداني لا يبحث عن صدقة. لا يريد منزلاً جاهزاً. المواطن يريد فرصة فقط. يريد أرضاً يقف عليها ويقول بكل فخر “هذه أرضي وسأبنيها”.

الأرض موجودة، والرجال موجودون، والرغبة موجودة. كل ما نحتاجه هو قرار شجاع: امنحوا الناس الأرض الجرداء، ودعوهم يبنون وطنهم بأيديهم.

علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com

مقالات ذات صلة

إغلاق