Uncategorized

من تنظيم المزارعين إلى نهضة الزراعة (١) بقلم :امين الجاك المحامي

من تنظيم المزارعين إلى نهضة الزراعة (١)

بقلم :امين الجاك عامر – المحامي

آن أوان اللائحة التحفيزية لتنظيمات أصحاب مهن الإنتاج الزراعي والحيواني

أتابع باهتمام كبير الأخبار التي تردنا عبر الوسائط المختلفة بشأن اكتمال البناء القاعدي وحلقات تنظيمات أصحاب مهن الإنتاج الزراعي والحيواني في مشروع الجزيرة والمناقل، والتي تُوِّجت بتكوين مجلس تنظيم أصحاب مهن الإنتاج الزراعي والحيواني بمشروع الجزيرة والمناقل، باعتباره قمة هرم هذه التنظيمات على مستوى المشروع، وذلك وفقًا لأحكام قانون تنظيم أصحاب مهن الإنتاج الزراعي والحيواني لسنة 2011م.

ولا شك أن اكتمال هذا البناء التنظيمي يمثل خطوة مهمة في الطريق الصحيح، ليس باعتباره مجرد هيكل إداري جديد، وإنما باعتباره الإطار القانوني الذي يمكن أن تنتظم من خلاله جهود المنتجين،وتتوحّد رؤيتهم، ويصبح لهم صوت مؤسسي قادر على الدفاع عن مصالحهم والمشاركة الفاعلة في رسم وتنفيذ السياسات المتعلقة بالإنتاج الزراعي والحيواني.

وقد حدد القانون في المادة (5) وما يليها من أهداف وغايات هذه التنظيمات، بما يجعل منها مؤسسات إنتاجية واقتصادية تتجاوز مفهوم النقابة أو الاتحاد التقليدي؛ فهي معنية برعاية حقوق المنتجين والمحافظة عليها، وتمكينهم من إدارة شؤونهم الإنتاجية بكفاءة، والاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية، وتحقيق التنمية الريفية المستدامة، ومحاربة الفقر، ورفع كفاءة الإنتاج، وتوفير الخدمات الفنية والتقنية والتجارية، وتطوير التسويق وفتح الأسواق وتنمية الصادرات.

كما تمتد مهامها إلى التدريب وبناء القدرات والبحوث والدراسات وتوفير المعلومات والمدخلات والآليات والمعدات والتمويل، والمشاركة في تنفيذ السياسات والخطط العامة لتطوير الإنتاج، وإدارة مرافق الري الداخلة في اختصاصها، وتحسين جودة المنتجات وتعزيز قدرتها التنافسية.

وهذه أهداف كبيرة، ومهام أكبر، لا يمكن أن تتحقق بمجرد قيام الهياكل التنظيمية، مهما كانت قوة القانون الذي أنشأها.

فالقانون يرسم الطريق، ولكن اللائحة هي التي تضع وسائل السير فيه.

ومن هنا أرى أن الخطوة التالية التي ينبغي أن تكون في مقدمة أولويات مجلس تنظيم أصحاب مهن الإنتاج الزراعي والحيواني بمشروع الجزيرة والمناقل، هي السعي الجاد مع الجهات المختصة في الدولة، وفي مقدمتها وزارة العدل ووزارة المالية والجمارك وبنك السودان والجهات المصرفية والاقتصادية ذات الصلة، إلى إصدار لائحة تنفيذية أو تنظيم خاص بالحوافز والتسهيلات الممنوحة لتنظيمات أصحاب مهن الإنتاج الزراعي والحيواني.

وليس المقصود من ذلك منح امتيازات بلا ضوابط، وإنما وضع إطار قانوني واقتصادي واضح يجعل التنظيمات قادرة على أداء المهام التي ألقاها القانون على عاتقها.

فإذا كانت الدولة قد أدركت أهمية تشجيع الاستثمار، ووضعت من التشريعات واللوائح ما يمنح المستثمر تسهيلات وإعفاءات جمركية على بعض الآلات والمدخلات والمعدات اللازمة للمشروعات الاستثمارية، فإنني أرى أن المنتج الزراعي السوداني أولى بهذه الحوافز؛ لأن الزراعة ليست قطاعًا هامشيًا في اقتصاد السودان، وإنما هي أحد أعمدة بقائه ونهوضه.

إن المزارع الذي يستورد آلة زراعية، أو مدخلات إنتاج، أو تقانات حديثة، لا يستورد سلعة للاستهلاك أو المضاربة، وإنما يستورد وسيلة لإنتاج سلعة يحتاج إليها المواطن، ويحتاج إليها الاقتصاد الوطني، وقد تتحول إلى سلعة تصديرية تجلب النقد الأجنبي إلى البلاد.

ومن هنا يمكن أن تتضمن اللائحة المقترحة، وفق الضوابط التي تراها الدولة مناسبة، إعفاءات أو تخفيضات جمركية وتسهيلات إجرائية لاستيراد الأسمدة والمبيدات والآليات والمعدات الزراعية والبذور والتقانات الحديثة وسائر مدخلات الإنتاج، إلى جانب تسهيلات مصرفية وتمويلية تساعد التنظيمات على القيام بدورها.

ضوابط تضمن أن تذهب الإعفاءات إلى الإنتاج لا إلى المضاربة

ولأن أي إعفاء أو امتياز مالي لا بد أن تحكمه قواعد تمنع إساءة استخدامه،فإن اللائحة المقترحة ينبغي أن تتضمن ضوابط دقيقة وشفافة، من أهمها:
1- حصر الاستفادة من الإعفاءات في التنظيمات المسجلة قانونًا والمستوفية لشروط قانون تنظيم أصحاب مهن الإنتاج الزراعي والحيواني، وعدم منحها لأفراد أو جهات لا صلة لها بالإنتاج الزراعي والحيواني.
2-ربط الإعفاء بالغرض الإنتاجي المحدد، بحيث لا تمنح الإعفاءات إلا للآليات والمعدات والمدخلات والتقانات التي تدخل مباشرة في العملية الزراعية والحيوانية.
3-إلزام الجهة المستفيدة بتقديم خطة أو برنامج إنتاجي واضح يبين نوع المدخلات أو الآليات المطلوبة، وكمياتها، والغرض من استخدامها، والمساحة أو النشاط الإنتاجي المستهدف.
4-منع التصرف في الآليات والمعدات والمدخلات المعفاة بالبيع أو التأجير أو التنازل لغير الأغراض الإنتاجية إلا بعد موافقة الجهة المختصة وسداد الرسوم والضرائب المستحقة، متى كان ذلك واجبًا قانونًا.
5-إنشاء سجل إلكتروني مركزي للإعفاءات يوضح الجهات المستفيدة ونوع السلع والكميات وقيمة الإعفاء والغرض من الاستيراد، بما يحقق الشفافية ويمنع تكرار الاستفادة من الإعفاء ذاته.
6-إخضاع المعدات والآليات المعفاة للرقابة والمتابعة للتأكد من وجودها واستخدامها فعليًا في النشاط الزراعي أو الحيواني، مع تحديد فترة رقابية مناسبة.
7-منع إعادة تصدير أو تهريب أو تحويل المدخلات المعفاة عن الغرض المخصص لها، مع ترتيب جزاءات قانونية واضحة في حال المخالفة، بما في ذلك استرداد قيمة الإعفاء عند ثبوت إساءة استخدامه.
8-ربط بعض الحوافز بمؤشرات أداء إنتاجية، بحيث تكون الأولوية للتنظيمات والمشروعات التي تثبت قدرتها على زيادة الإنتاجية، أو إدخال التقانات الحديثة، أو توفير فرص العمل، أو إحلال الواردات، أو تنمية الصادرات.
9-إخضاع عمليات الاستيراد للمراجعة والتدقيق المالي والإداري من الجهات المختصة، مع تمكين الجهات الرقابية من مراجعة المستندات والعقود والفواتير عند الحاجة.
10-تحقيق العدالة في توزيع المزايا بين المنتجين والتنظيمات، حتى لا تتحول الإعفاءات إلى امتياز محصور في عدد محدود من الجهات، وإنما تكون أداة لتوسيع قاعدة الإنتاج والاستثمار الزراعي.

وبهذه الضوابط يمكن أن تتحول الإعفاءات الجمركية من مجرد ميزة مالية إلى أداة من أدوات السياسة الزراعية للدولة؛ فتمنح من يستحقها، وتصل إلى المنتج الحقيقي، وتُقاس نتائجها بمدى مساهمتها في زيادة الإنتاج والإنتاجية.

وهذا هو الفارق بين الإعفاء المنفلت والإعفاء المنتج.

فنحن لا نطالب بإعفاءات تفتح بابًا جديدًا للفساد أو المضاربة، وإنما نطالب بإعفاءات مشروطة بالإنتاج، ومراقبة بالشفافية، ومقاسة بالنتائج.

وهنا تكمن أهمية التنظيمات التي أنشأها القانون.

فهي ليست جزرًا منفصلة، وإنما حلقات متصلة في سلسلة تنظيمية واحدة تبدأ من القاعدة، حيث يوجد المنتج، وتمتد إلى مستويات التنظيم المختلفة، حتى تصل إلى مجلس التنظيم على مستوى مشروع الجزيرة والمناقل.

وهذا البناء، إذا أُحسن توظيفه، يمكن أن يصبح شريكًا حقيقيًا للدولة في إدارة العملية الإنتاجية، وليس مجرد جسم يتولى الدفاع عن مطالب المزارعين.

مقالات ذات صلة

إغلاق