Uncategorized
من تنظيم المزارعين إلى نهضة الزراعة (٢) بقلم : أمين الجاك عامر – المحامي

من تنظيم المزارعين إلى نهضة الزراعة (٢)
بقلم : أمين الجاك عامر – المحامي
آن أوان اللائحة التحفيزية لتنظيمات أصحاب مهن الإنتاج الزراعي والحيواني
والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: هل اكتمل البناء التنظيمي؟
لقد قطعنا شوطًا مهمًا في ذلك.
ولكن السؤال الأهم هو:
ماذا سنفعل بهذا البناء بعد أن اكتمل؟
وهنا تأتي مسؤولية مجلس تنظيم أصحاب مهن الإنتاج الزراعي والحيواني بمشروع الجزيرة والمناقل.
فالمجلس أمام فرصة تاريخية ليقدم نموذجًا جديدًا للعمل الزراعي المنظم، وأن ينتقل من مرحلة المطالبة بالحقوق إلى مرحلة صناعة الحلول واقتراح السياسات والمشاركة في تنفيذها.
وأحسب أن من أهم هذه الحلول إنشاء منظومة متكاملة للحوافز والتسهيلات، تجعل المنتج الزراعي قادرًا على الوصول إلى التمويل والتقانة ومدخلات الإنتاج والأسواق، وتمنحه القدرة على الإنتاج بتكلفة معقولة وجودة عالية.
إن السودان لا يعاني من نقص في الأرض، ولا في المياه، ولا في الخبرات الزراعية، ولا في الأيدي العاملة.
ولكنه يعاني من فجوة بين هذه الموارد وبين القدرة على توظيفها في مشروع إنتاجي متكامل.
ولهذا فإن تحويل جزء من رؤوس الأموال التي تتجه اليوم إلى المضاربة في العملات الأجنبية والعقارات والسيارات إلى الإنتاج الزراعي والحيواني لن يتم بالخطب والأمنيات، وإنما بخلق بيئة استثمارية وإنتاجية جاذبة، يكون فيها المنتج قادرًا على تحقيق عائد مجزٍ، وتكون فيها أدوات الإنتاج متاحة، والتمويل ميسرًا، والأسواق مفتوحة.
وعندما يصبح شراء الجرار أو الحاصدة أو منظومة الري أو معدات التصنيع الزراعي استثمارًا منتجًا أكثر جاذبية من المضاربة في الدولار والعقار والسيارة، فإن رأس المال سيعرف طريقه بنفسه.
رأس المال لا يحتاج إلى من يقوده؛ هو يبحث دائمًا عن المكان الذي يشعر فيه بالأمان والعائد.
ولذلك فإن إعطاء الزراعة الأولوية في الحوافز ليس تفضيلًا لقطاع على آخر بقدر ما هو قراءة صحيحة لطبيعة الاقتصاد السوداني واحتياجاته.
فالزراعة القوية تعني غذاءً، وفرص عمل، ودخلًا ريفيًا، وصناعةً مرتبطة بالإنتاج، ونشاطًا تجاريًا، وصادرات، ونقدًا أجنبيًا،واستقرارًا اجتماعيًا.
ومن هنا فإن اكتمال البناء التنظيمي لأصحاب مهن الإنتاج الزراعي والحيواني في مشروع الجزيرة والمناقل ينبغي ألا يكون نهاية المطاف، وإنما بداية لمرحلة جديدة.
مرحلة ينتقل فيها التنظيم من مجرد هيكل قانوني إلى مؤسسة إنتاجية فاعلة، ومن الدفاع عن مصالح المنتجين إلى قيادة مشروع النهضة الزراعية، ومن انتظار القرارات الحكومية إلى المشاركة في صياغة السياسات التي تخدم الإنتاج.
وأعتقد أن إصدار لائحة للحوافز والتسهيلات الممنوحة لتنظيمات أصحاب مهن الإنتاج الزراعي والحيواني، مع وضع الضوابط التي تمنع إساءة استخدامها، يمكن أن يكون أحد أهم الملفات التي ينبغي أن يضعها المجلس على طاولة الدولة.
فالسودان اليوم لا يحتاج إلى المزيد من الهياكل بقدر ما يحتاج إلى تفعيل الهياكل القائمة وتحويل النصوص القانونية إلى إنتاج حقيقي.
وإذا كان مشروع الجزيرة قد كان يومًا أحد أعمدة الاقتصاد السوداني، فإن الفرصة ما زالت قائمة لأن يستعيد عافيته، ولكن بصورة جديدة، تقوم على التنظيم الحديث، والتقانة، والتمويل، والتسويق، والإنتاجية، والقيمة المضافة.
لقد اكتمل البناء التنظيمي، وبقي أن نبني البيئة التي تجعل هذا التنظيم قادرًا على الإنتاج.
فهل نبدأ من اللائحة؟




