Uncategorized
احذر عدوك مرة.. واحذر صديقك ألف مرة بقلم: علاء الدين محمد أبكر

احذر عدوك مرة.. واحذر صديقك ألف مرة
بقلم: علاء الدين محمد أبكر
هي ليست مجرد مقولة عابرة نرددها، بل هي قانون من قوانين النفس البشرية، سُطر بمداد التجارب المريرة وخبرة السنين.
فالعدو واضح المعالم، مكشوف العداوة. أنت تعرف أنه عدوك، وهو يعرف أنك تعرف. لذلك تتعامل معه وأنت تلبس درعك كاملاً، لا تطلعه على عوراتك، ولا تفتح له باب دارك، ولا تسلمه مفاتيح قلبك. تتوقع منه الغدر في أي لحظة، فلا يصدمك إن غدر، ولا يوجعك إن طعن، لأنك كنت مستعداً.
المصيبة الحقيقية ليست في عدو يجاهرك العداء، بل في صديق يضمر لك ما لا يظهر.
الصديق.. هذا الذي سمحت له أن يتجاوز كل أسوارك. أسكنته في غرف قلبك الداخلية، أخبرته بما لم تخبر به حتى نفسك أحياناً. يعرف متى تضعف، ومتى تخاف، ومن تحب، وممن تخاف، وما هو سرك الذي لو انكشف لانكسرت. هو الوحيد الذي يعرف أن ابتسامتك في ذلك اليوم كانت تخفي انهياراً كاملاً، وأن قوتك الظاهرة كانت ستاراً لخوف عميق.
لذلك كانت خيانة الصديق هي أبشع أنواع الخيانة على الإطلاق.
عدوك يطعنك من أمامك، فترى السكين قادمة وتملك فرصة لتتفاداها أو على الأقل لتصرخ. أما صديقك فيطعنك من الخلف، وأنت مطمئن تماماً أن ظهرك محمي به. لهذا قالوا: طعنة العدو تدمي الجسد، وطعنة الصديق تدمي الروح، وجرح الجسد يلتئم، أما جرح الروح فيبقى ينزف ثقةً.
والتاريخ مليء بالعبر. لم يسقط يوليوس قيصر على يد جيش من الأعداء، بل سقط بطعنة صديقه المقرب بروتوس، فكانت صرخته الخالدة “حتى أنت يا بروتوس؟!” هي صرخة كل من خُذل من صديق. وما قُتل سيدنا عثمان بن عفان إلا بعد أن تسلل إليه من كان يظهرون الصحبة، وما فُتحت حصون المسلمين في الأندلس إلا بخيانة من الداخل.
إن أخطر الأعداء هو ذلك الصديق المزيف الذي يلبس ثوب الصديق. هو الذي يضحك في وجهك ويطعن في ظهرك، يمدحك أمامك ويأكل لحمك في غيابك، يظهر لك النصيحة وهو يدس لك السم في العسل، ويتمنى سقوطك في اللحظة التي يرفع فيها يديه ليدعو لك بالتوفيق.
هذا الصنف من الناس يعيش بيننا بوجهين: وجه للود، ووجه للحقد. إذا احتجت إليه تثاقل، وإذا احتاج إليك تذلل، إذا فرحت حسدك، وإذا حزنت شمت بك في داخله، وإن رأى منك حسنة كتمها، وإن رأى سيئة أذاعها.
فهل نعيش بلا أصدقاء؟ حاشا لله.
المقولة لا تدعوك للوحدة والانعزال والشك المرضي في كل من حولك، بل تدعوك إلى فن انتقاء الصديق، وإلى وضع الثقة في ميزان دقيق.
اجعل معارفك كثيرين، وأصدقاءك قليلين، وخلانك واحداً أو اثنين. لا تعطِ سرك لكل من قال لك “أنا صديقك”. اختبره. اختبره في الغضب، هل يفشي سرك؟ اختبره في الخصومة، هل يحفظ ودك؟ اختبره في حاجتك، هل يهرب؟ اختبره في غناك، هل يحسدك؟ اختبره في غيابك، ماذا يقول عنك؟
الصديق الحقيقي هو رزق. هو الذي يحفظك في الغيب كما يحفظك في الحضور، إذا اختلفت معه لم يظلمك، وإذا انشغلت عنه لم ينسك، وإذا أخطأت قومك برفق ولم يفضحك. هذا هو الذي لا تحتاج أن تحذره، بل تحذر الدنيا كلها به.
أما غيره، فاحذره ألف مرة، فإن العدو قد يتحول يوماً إلى صديق، لكن صديق السوء لا يتحول أبداً إلا إلى عدو أخطر.
وقديما قال الشاعر:
اِحذر عدوَّك مرَّةً واحذر صديقكَ ألف مَرَّه
فَلَرُبَّما اِنقَلَبَ الصَّديقُ فكانَ أعلَمَ بالمَضَرَّة
علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com.




