Uncategorized
«مدني.. حين يتقاسم الظلام والموت وجع الناس» بقلم امين محمد الجاك عامر -المحامي

«مدني.. حين يتقاسم الظلام والموت وجع الناس»
بقلم امين محمد الجاك عامر -المحامي
بالأمس، أوقعتنا جدولة توزيع الكهرباء اليومية تحت خط الظلام طوال الليل، على أمل أن تأتينا وتشرفنا عند الخامسة صباحًا، عقب صلاة الصبح. وهي قسمة ضيزى، لكننا ارتضيناها وما شكونا!
وفي أثناء نومي المتقطع في الحوش، تحت وطأة عضّات الباعوض ولسعاته و«الانكرشة»، اخترق سكون الليل صراخ مدوٍّ ونحيبٌ حملته الرياح من بعيد، لكنه سرعان ما انقطع. وفي ذلك الظلام، لم أتمكن من معرفة مصدر البكاء أو ما وراءه.
ومع شروق الشمس، خرجت إلى الشارع أستطلع الأمر، فأخبرني جاري أن ابنة خالنا، التي تسكن الحي المجاور، قد رحلت إلى رحمة مولاها. كانت شابة جميلة، في ريعان شبابها، لكن حمى الضنك أنهكت جسدها، وأدخلتها في تعقيدات صحية استدعت نقل كميات من الدم والصفائح الدموية إليها خلال الأيام الماضية، غير أن الموت كان أسرع من كل محاولات إنقاذها.
وأخبرني أن تشييعها ودفنها سيكون عند الساعة الثامنة صباحًا. عندها قررت أن أترك كل شيء، وأوقفت موتور المياه الذي كنت قد شرعت في تشغيله لرفع المياه إلى الصهريج، وتوجهت إلى منزل العزاء، أحمل دمعاتي وحزني العميق على هذه الأميرة الجميلة التي غادرت دنيانا يوم الجمعة، كما دخلتها.
ومن منزل العزاء، خرج موكب مهيب، يتقدمه الشباب حاملين الجثمان الطاهر على أكتافهم، في طريقهم إلى مقابر ود مدني. وصلتُ المقابر، فوجدتها قد امتلأت عن بكرة أبيها، ولم يعد فيها متسع للمزيد، حتى إن الدفن عاد من جديد إلى أجزاء المقابر القديمة التي اندثرت مع مرور الزمن. وقفت هناك، وترحمت على أمواتنا وأموات المسلمين، وعدت بأحزاني إلى منزل العزاء.
في منزل العزاء، استوقفني مشهد آخر لا يقل وجعًا عن رحيل هذه الشابة؛ فقد وجدت أن أكثر من نصف أهل هذا الحي قد انتقلوا إلى الرفيق الأعلى خلال سنوات غيابي الأخيرة. تلك المنازل الواسعة التي كانت تضج بالحياة والحركة والنشاط، وتتعالى منها أصوات الأهل والجيران، أصبحت اليوم شبه خالية، بعد أن غيّب الموت كثيرًا من أهلها.
وبينما كنت أتلقى التعازي في الفقيدة، كنت أجد نفسي أعزّي المعزّين مرة أخرى في موتاهم الذين رحلوا خلال فترة غيابي عن الوطن. اختلطت التعازي، وتداخلت الأحزان، وأصبح مجلس العزاء استعادةً لذاكرة طويلة من الفقد، وكأن الغياب عن مدني لم يكن غيابًا عن المكان وحده، بل عن حكايات أهلها وأخبار رحيلهم أيضًا.
وفي خضم هذه الأحزان، دار الحديث بين الحاضرين عن خطر حمى الضنك التي انتشرت في مدينتنا، وعن الباعوض الناقل لهذا المرض، الذي ينشط في ساعات الصباح الباكر. لقد أصبح الإنسان في مدني مهددًا بنواقل الأمراض صباح مساء، بعدما كان في الماضي القريب يواجه بصورة أساسية باعوض الملاريا الذي ينشط ليلًا، وقد اعتاد الناس اتخاذ الاحتياطات اللازمة لتفاديه.
أما اليوم، فقد اتسعت دائرة التهديدات، وتعددت مخاطر نواقل الأمراض، وأصبح الأمر يتطلب جهدًا إضافيًا، وحملات رش منتظمة وفعالة تستهدف أماكن توالد الباعوض وتكاثره، إلى جانب إزالة المياه الراكدة وتحسين البيئة الصحية في الأحياء والأسواق.
إنسان مدني، الذي أنهكته ظروف الحرب والنزوح وضيق المعيشة، أصبح ينفق أموالًا طائلة على العلاج ومواجهة الأمراض. ومع ذلك، لا أظنه سيتردد في المساهمة الجماعية، ولو بالقدر اليسير، في تمويل حملات مكافحة نواقل الأمراض داخل الأحياء السكنية والأسواق، متى ما وجد المبادرة الجادة والتنظيم الفاعل والمؤسسات الصحية التي تتبنى هذه الجهود وتديرها بشفافية وكفاءة.
فالمسألة لا تحتمل الانتظار، ولا ينبغي أن تظل مسؤولية مكافحة هذه الأمراض عبئًا على الأفراد وحدهم، أو أن يواجه كل بيت خطرها بمفرده. إنها مسؤولية مشتركة، تبدأ من البيت والحي، وتمتد إلى السلطات الصحية والمحلية، التي يقع على عاتقها تنظيم حملات مستمرة ومدروسة لحماية المواطنين.
وأهلنا زمان قالوا: «الشر مقسّم على الدقشم»، ومعناه أن المصيبة حين تتوزع أعباؤها بين الناس، يسهل على الجميع احتمالها ومواجهتها.
رحم الله فقيدتنا الشابة، ورحم الله جميع موتانا وموتى المسلمين، ونسأله تعالى أن يحفظ أهل مدني من الأوبئة والأمراض، وأن يخفف عن أهلنا معاناتهم، وأن يرد إلى مدينتنا عافيتها وأمنها وطمأنينتها، حتى تعود بيوتها عامرة بأهلها، وشوارعها تضج بالحياة، وأفراحها أكثر من أحزانها




