Uncategorized

من أعلى المنصة ياسر الفادني لا تسأل مَشَاعْرَك …ليه عيني بَكنْ ؟

من أعلى المنصة

ياسر الفادني

لا تسأل مَشَاعْرَك …ليه عيني بَكنْ ؟

(في بعدك يا غالي) يلتقي الجنرال عوض أحمد خليفة، بقلمه الشفيف وحساسيته الشعرية، مع الموسيقار الفاتح كسلاوي لحناً، مع العندليب الأسمر زيدان إبراهيم صوتاً وأداءً، لتولد تجربة غنائية تتجاوز التعبير عن الفراق إلى تشريح الحالة النفسية للعاشق حين يفقد من يحب

يبدأ الشاعر من الوجع المباشر: (في بعدك يا غالي أضناني الألم، وعشت مع الليالي لا حب لا نغم) ، هنا لا يبدو الغياب مجرد ابتعاد عن الحبيب، بل انطفاءً لجمال الحياة نفسها، فالحب والنغم، وهما رمزان للبهجة، يفقدان معناهما في غياب من يمنحهما الروح وهنا تتجلى براعة عوض أحمد خليفة في بساطة العبارة وعمق دلالتها، وفي انتقاله من الشكوى إلى الصورة الشعرية، كما في قوله: كل ما غنى شادي ذوبني الشعور)، حيث يتحول الغناء من مصدر للمتعة إلى محفز للذاكرة والألم
وفي (لو كان التمني بينفع كل حبيب، ما كان السعادة بقت قسمة ونصيب)، ترتقي الكلمات من تجربة شخصية إلى حكمة إنسانية عن عجز الرغبات أمام الأقدار، أما الخاتمة (ليه دنيا المحبة للأحباب وطن) فتحمل الصورة الأعمق في النص، المحبة ليست مجرد عاطفة، وإنما وطن نفسي يجد فيه الإنسان أمانه وانتماءه، ويكتشف قيمة هذا الوطن حين يفقده

الفاتح كسلاوي، تتمثل أهمية دوره في تحويل هذه الشحنة الشعرية إلى بناء لحني قادر على مرافقة تحولات النص من الشكوى إلى الحنين، ومن الانكسار إلى التأمل والعتاب فنجاح تلحين مثل هذه القصيدة يتطلب ألا تطغى الموسيقى على الكلمة، بل أن تمنحها مساحتها التعبيرية، وتبرز مواطن الوجع والجمال فيها دون افتعال
زيدان إبراهيم منح الكلمات حضورها الإنساني ، صوته العاطفي لا يحتاج إلى المبالغة كي ينقل الحزن، وإنما تكمن قيمة الأداء في قدرته على جعل المستمع يشعر بأن الكلمات اعتراف شخصي بتجربة عاشها أو كاد يعيشها، وهنا تتجلى خصوصية زيدان في تقديم الأغنية العاطفية، حيث تصبح حلاوة الصوت وسيلة للتعبير عن الشجن، لا مجرد استعراض للإمكانات الصوتية،
إن (في بعدك يا غالي) نموذج لتكامل ثلاثة عناصر: شاعر صاغ الغياب بلغة شفيفة، وملحن تولى نقل المشاعر إلى فضاء موسيقي، ومطرب منح الكلمات نبضها الإنساني… ولذلك لا تبقى الأغنية حكاية عاشق فقد حبيبه، بل تصبح مرآة لكل إنسان اكتشف أن غياب شخص واحد قد يسلب الأشياء مذاقها، ويترك القلب غريباً في وطن كان يوماً عامراً بالمحبة

من منصتي أنظر…. فأرى…. أن سر هذه الأغنية ليس في وصف الفراق، بل في قدرتها على جعلنا نشعر بأن بعض الغياب لا يترك مكاناً خالياً فحسب، وإنما يترك حياة كاملة تبحث عن نغمها المفقود.

مقالات ذات صلة

إغلاق