Uncategorized

الكتابة اليومية أبرز طرق التفريغ النفسي بقلم علاء الدين محمد ابكر

الكتابة اليومية أبرز طرق التفريغ النفسي

بقلم علاء الدين محمد ابكر

في زحمة الحياة وضغوطها المتسارعة، يحمل كل واحد منا في داخله بركانا صامتا من المشاعر والأفكار. كلمات لم نقلها، مواقف آلمتنا ولم نعلق عليها، غضب كتمناه، وحزن أخفيناه خلف ابتسامة مجاملة، وقلق يؤرقنا كل ليلة. نحن نظن أننا تجاوزناها بالنسيان، ولكن الحقيقة أن العقل لا ينسى، بل يخزن، والجسد لا يسامح، بل يحاسب.

وهنا تأتي أهمية ما يسميه علماء النفس بالتفريغ النفسي أو التنفيس الانفعالي. وهي عملية حيوية لحماية العقل من الاحتراق والجسد من المرض. فبدون تفريغ منتظم، تتحول تلك التراكمات الصغيرة إلى كتلة ثقيلة تنفجر فجأة في صورة نوبات قلق، أو اكتئاب مفاجئ، أو حتى أمراض جسدية ليس لها سبب عضوي واضح، كالصداع المزمن وآلام المعدة وضيق التنفس.

والتفريغ النفسي مهم للإنسان، بل هو ضرورة وليس ترفا، خاصة في بلادنا التي لا توجد فيها حدائق عامة قريبة يمكن الوصول إليها، ولا أنهار نجلس على ضفافها لنهدئ أعصابنا، وطقس حار طوال العام يزيد من توترنا وضيقنا. وحتى لو أردت أن تتحدث، لا يوجد شخص يستوعب ما تقول، فكل واحد منهم منشغل بنفسه في زحمة الدنيا، يركض وراء لقمة العيش وهموم الحياة. الجميع متعب، والجميع يريد من يسمعه، ولا أحد يريد أن يسمع. في مثل هذا الواقع، تصبح الكتابة التعبيرية هي الحل الأمثل والأوفر والأقرب إليك.

ومن بين كل وسائل التفريغ التي جربها الإنسان، من الرياضة إلى الفضفضة إلى البكاء، تظل الكتابة اليومية هي الأبرز والأعمق والأكثر أمانا.

ولكن أي كتابة نقصد؟ نحن لا نقصد الكتابة للجمهور، ولا كتابة المقالات المنمقة التي نراعي فيها اللغة والبلاغة. نحن نقصد ما يسميه الخبراء بتفريغ الدماغ. وهي أن تجلس مع نفسك ومع ورقة بيضاء، وتكتب كل ما يدور في خاطرك دون فلتر، دون رقابة، دون تصحيح لغوي أو تجميل. اكتب بغضبك، بحزنك، بغيرتك، بخوفك. فالورقة لا تحاكمك، ولا تفشي سرك، ولا تسخر من ضعفك.

أو باستخدام هاتفك المحمول، افتح الملاحظات واكتب عن أي شيء يجول في خاطرك. عن كلمة سمعتها في الراديو فأثارت فيك ذكرى، أو عبارة قيلت في السوق أو في المواصلات العامة فاستوقفتك، أو مشهد عابر لرجل مسن يحمل أغراضه. اصنع من كل حادث قصة وحكاية. عبر عن نفسك، اعكس ما في داخلك عبر الكلمات. تلك هي الطريقة الصحيحة للتفريغ النفسي الذاتي. لا تنتظر أن يأتيك موضوع كبير لتكتب عنه، فالحياة مليئة بالقصص الصغيرة التي تستحق أن تروى، وكل قصة تكتبها هي حجر تزيحه عن صدرك.

عندما تكتب حزنك أولا بأول، فأنت لا تسمح له بأن يتحول إلى اكتئاب مزمن. وعندما تكتب غضبك، فأنت تفرغه من صدرك قبل أن يتحول إلى كراهية وحقد يأكل قلبك. الكتابة هي صمام الأمان الذي يمنع الانفجار المتأخر. وقد أثبتت الدراسات أن كتمان المشاعر يرفع من هرمون التوتر الذي يدمر المناعة ويسبب الأمراض. بينما الكتابة التعبيرية تخفض هذا الهرمون بشكل ملحوظ، وتساعد الجسم على الاسترخاء، وتقلل من الأمراض التي سببها نفسي وألمها جسدي.

وما دمت تفكر في مشكلة داخل رأسك، ستظل مشوشة ومتضخمة ومتداخلة. ولكن بمجرد أن تضعها على الورق أو على شاشة هاتفك، ستراها بحجمها الحقيقي. الكتابة تجبر عقلك على الترتيب والتنظيم، فتتحول الفوضى الداخلية إلى خريطة واضحة تستطيع من خلالها أن تفهم نفسك وتتخذ قرارك بهدوء. وعندما تكتب، أنت تتحول من ضحية لمشاعرك إلى مراقب لها. أنت من يمسك القلم، وأنت من يقرر ماذا يكتب. هذا الشعور البسيط بالسيطرة يعزز من رفاهيتك النفسية، ويزيد من قدرتك على التركيز، ويجعلك تتعامل مع ضغوط الحياة بمنظور أكثر إيجابية وعقلانية.

إن الكتابة اليومية ليست رفاهية للمثقفين، بل هي إسعاف أولي للنفس في بلد متعب. هي جلسة علاج مجانية لا تحتاج إلى موعد ولا إلى طبيب ولا إلى حديقة.

نصيحتي لك، خصص لنفسك عشر دقائق فقط كل يوم. في الصباح الباكر أو في الليل قبل أن تنام. أحضر دفترا خاصا بك، أو افتح هاتفك، وابدأ بالكتابة. لا تفكر ماذا تكتب، فقط اكتب.

واظب عليها لأسبوعين فقط، وستكتشف أنك أصبحت أخف حملا، وأصفى ذهنا، وأهدأ بالا. ستكتشف أن الكلمة كانت هي الصديق الذي كنت تبحث عنه طويلا في زحمة لا يسمع فيها أحد أحدا.

اكتبوا لترتاحوا، فبعض الأثقال لا يحملها إلا القلم.

علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com.

مقالات ذات صلة

إغلاق