Uncategorized

تجلت عبقرية خليل فرح في عزة في هواك بقلم: علاء الدين محمد أبكر

تجلت عبقرية خليل فرح في عزة في هواك

بقلم: علاء الدين محمد أبكر

هناك أغان تولد لتموت، وهناك أغنية تولد لتبقى وطنا. و”عزة في هواك” التي كتبها ولحنها وغناها خليل فرح، هي ليست أغنية، هي السودان نفسه مصبوبا في لحن.

ولدت هذه الأغنية في عشرينيات القرن الماضي، في ظلمة الحكم الثنائي الإنجليزي المصري، حين كان السودان محكوما بالحديد والنار، وكانت الكلمة الوطنية تهمة قد تقود صاحبها إلى السجن أو المنفى. ومع ذلك لاقت رواجا لم يسبق له مثيل داخل السودان، ثم عبرت الحدود فغنتها فرق موسيقية أجنبية عديدة مستخدمة مختلف الآلات الموسيقية والإيقاعات، لأن صدقها كان أقوى من اللغة. ورغم مرور ما يقارب قرن من الزمان، ورغم إنتاج مئات الأغاني الوطنية بعدها، لا تزال “عزة في هواك” تحتل الرقم الأول بلا منازع في وجدان السودانيين. فما سر هذه الخلود؟

السر يكمن في عبقرية خليل فرح المركبة. فخليل لم يكن مجرد مطرب، كان شاعرا عالما، وموسيقيا مجددا، وسياسيا وطنيا، ومثقفا نهضويا. في “عزة في هواك” تتجلى كل هذه الأبعاد.

فمن الناحية الأدبية، النص معجزة لغوية. خليل يخاطب الوطن بصيغة العاشق للمعشوقة، وهذا التمويه الأدبي كان مقصودا. فالرقابة الاستعمارية كانت تبحث عن قصائد تحرض ضد التاج البريطاني، فجاءها خليل بقصيدة غزل ظاهري:

عزة في هواك عزة نحن الجبال
ولعزة علينا حق الوطن

لكنه في الباطن يعلن مشروعا وطنيا كاملا. عندما يقول:

عزة في هواك عزة نحن الجبال
وبنخوض صفاك نحن النبال

فهو لا يتغزل، بل يرسم عقيدة دفاعية. نحن الجبال في الثبات، ونحن النبال في الهجوم. هو يثبت حرية السودان وينافح من أجلها ضد كل طارئ يتربص. ثم ينتقل من الدفاع إلى البناء والنهضة، وهي قمة العبقرية، فالوطنية ليست هتافا فقط بل عمل:

عزة شفتي كيف نهض العيال
جددوا القديم تركوا الخيال

إنه يدعو جيله إلى تجديد القديم وترك الخيال، إلى نهضة حقيقية قوامها العلم والعمل، وهذا خطاب سابق لعصره بعقود. إنه يتحدث بصيغة الماضي عن مستقبل يتمناه، كأنه يراه رأي العين في مطلع العقد السادس من القرن الماضي حيث الاستقلال.

وقد اختلف المؤرخون حول من هي “عزة”. الرواية الرسمية والمتعارف عليها أن “عزة” رمز للسودان، استخدمه خليل فرح للتمويه على الرقابة الاستعمارية البريطانية للحكم الثنائي حتى لا تشك في مغزى القصيدة وطبيعتها السياسية فتقوم بحظر بثها على وسائل الإعلام المحدودة آنذاك. وهذا يدل على ذكاء سياسي فذ.

وهناك رواية تاريخية أخرى لا تقل وجاهة، تنسب الاسم إلى المناضلة “عازة محمد عبد الله” زوجة البطل علي عبد اللطيف أحد قادة جمعية اللواء الأبيض، والمولودة في أم درمان. ونالت شهرة واسعة حينذاك باعتبارها أول امرأة سودانية تشارك في النشاط السياسي المناوئ للاستعمار، حيث قادت في 9 أغسطس 1924 مظاهرة نسائية جريئة تساند طلاب المدرسة الحربية بالخرطوم وعددهم 51 طالبا خرجوا في مظاهرة عسكرية سلمية يدعون فيها للإفراج عن زملائهم أعضاء جمعية اللواء الأبيض. وسواء كانت عزة هي الوطن أو كانت عازة هي المرأة المناضلة، فإن خليل فرح نجح في أن يجعل المرأة رمزا للوطن، والوطن رمزا للمرأة، وهي قمة البلاغة.

وتسرب خبر هذا الشاب الذي يلهب حماس الناس بأغانيه إلى مسامع سلطات الاستعمار الثنائي. فأرادوا اختباره وكسره بطريقة خبيثة. وبالفعل قام مدير قلم المخابرات في سلطات الحكم الثنائي بترتيب لقاء أو استدعاء غير رسمي، أشبه بفخ، بحضور شخصيات مرتبطة بالسلطة الاستعمارية ومكاتب المخابرات أو وسطاء يعملون لصالحهم، حيث وجهت لخليل فرح دعوة لجلسة غنائية خاصة في منزل أحد المتعاونين.

كانوا يظنون أنهم سيواجهون مغنيا بسيطا يرتجف أمام السلطة. ولكن ما حدث كان ملحمة.

فوجئ رجال المخابرات والاستعمار بشخصية خليل فرح الواثقة، بجلابيته الناصعة وعمامته المهيبة وثقافته الموسوعية. لم يتردد في الإنشاد والغناء بقوة واعتزاز. وعندما طلبوا منه بإلحاح أن يغني أشعار غزل قديمة ظنا منهم أنهم يبعدونه عن السياسة، مثل قصيدة عمر بن أبي ربيعة “أعبدة ما ينسى مودتك القلب” التي لحنها خليل، غناها بكل ما أوتي من شجن، ثم انطلق كالسهم ليغني “عزة في هواك” بكل عنفوان.

وبدلا من أن تكون الجلسة أداة لتكبيل أو كسر الروح الوطنية للفنان، تحولت بفضل عبقريته وحضوره الطاغي إلى لحظة طرب وسيطرة للروح السودانية، أدهشت الحاضرين وأرعبت رجال المخابرات. فقد أدركوا في تلك الليلة أنهم أمام سلاح لا يمكن مصادرته. فالبندقية يمكن كسرها، ولكن الكلمة واللحن الصادقين يمتلكان قوة أعمق وأبقى من كل أجهزة الرقابة والسيطرة.

هذه هي عبقرية خليل فرح، أنه حول الطرب إلى مقاومة، والغناء إلى تعبئة، والحب إلى وطنية.

لم يعش خليل فرح طويلا، فقد رحل في عز الشباب مأسوفا عليه في 30 يونيو 1932 وهو في الثامنة والثلاثين من عمره بداء الصدر، ولكنه ترك إرثا فنيا غنيا بالكثير من الألحان والكلمات والمعاني والدروس. ترك مدرسة كاملة اسمها مدرسة الخليل، تخرج فيها إسماعيل خورشيد وخضر بشير وكل عمالقة الفن السوداني.

واليوم، ونحن ننظر إلى ساحتنا الفنية، نكاد نبكي. بلادنا اليوم تفتقد المطرب المثقف من طراز خليل فرح. فنان اليوم، مع احترامنا للقليل، ربما لا تكاد تجد من بينهم من سمع بالشاعر العربي عمر بن أبي ربيعة أو قرأ لأبي إسحاق الموصلي أو عرف من هو زرياب الذي نقل الموسيقى من بغداد إلى الأندلس، أو استمع إلى أشعار عنترة أو المتنبي أو حتى قرأ لمحمد الفيتوري شاعر أفريقيا وصلاح أحمد إبراهيم.

لقد أصبح الفن عند البعض جسدا يتراقص بلا روح، وكلمات بلا معنى، وألحان مستوردة بلا هوية. نحن نعيش في عهد أزمة كبرى في الذوق والوعي والانتماء.

كان الله في عون هذا الوطن الجريح. نبتهل لله أن يبعث فينا من يستطيع إحياء عبقرية الخليل، فالأمم لا تنهض إلا بفنها وثقافتها، وخليل فرح سيظل أبدا هو البوصلة التي تدلنا على أن الفن الحقيقي هو الذي يبني الأوطان.

علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com.

مقالات ذات صلة

إغلاق