Uncategorized
كلنا راحلون… فماذا اعددنا؟ بقلم سالم بن سيف الصولي

بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله تعالى:
﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
هذه هي الدار الحقيقية، دار البقاء، وليست هذه الدنيا الفانية. جعل الله الدار الآخرة للذين تواضعوا له، ولم يتكبروا على خلقه، ولم يسعوا في الأرض بالفساد والظلم. فمن أراد الفوز بتلك الدار، فليترك الكبر والأذى، وليعمل صالحًا استعدادًا للقاء الله.
لقد ودّعت ولاية المصنعة أربعةً من أبنائها إلى الدار الآخرة في يوم واحد؛ أربعة جنائز، وأربعة بيوت خيّم عليها الحزن، وأربعة قلوب توقفت عن النبض، لترحل أرواح أصحابها إلى بارئها.
إنها رسالة لنا جميعًا، تذكّرنا بأن الموت لا يستأذن أحدًا، ولا يفرّق بين صغير وكبير، ولا بين صحيح ومريض. بالأمس كانوا بيننا، يمشون ويضحكون ويمرحون ويخططون للغد، واليوم أصبحوا تحت التراب، لا يملكون من الدنيا إلا ما قدّموا من عمل صالح.
فيا أيها الحي الذي ما زال ينتظر، تذكّر أن هذه الدنيا دار فناء وليست دار بقاء، وأننا جميعًا راحلون، فماذا أعددنا لتلك الدار؟
قال الله تعالى:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
الموت موعظة للأحياء
قال رسول الله ﷺ: «أكثروا ذكر هادم اللذات» رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه.
إن تذكّر الموت يزهد الإنسان في التعلّق بالدنيا، ويجعله يستعد للقاء الله بالأعمال الصالحة، ويذكّره بأن العمر مهما طال فلا بد أن ينتهي، وأن العاقل هو من يتّعظ بغيره قبل أن يصبح هو نفسه عبرة للآخرين.
ماذا يتمنى الميت بعد موته؟
يتمنى الإنسان بعد الموت أن يعود إلى الدنيا ليعمل صالحًا، ويتدارك ما فاته من الطاعات، ويكثر من الصدقات. قال الله تعالى:
﴿رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
وهذه الآية تبيّن حسرة الإنسان حين يدرك حقيقة الآخرة، ويتمنى الرجوع إلى الدنيا ليعمل صالحًا، ولكن هيهات؛ فقد انتهى الأجل، وأُغلق باب العمل، ولم يبقَ إلا الحساب والجزاء.
عذاب القبر ونعيمه حق
إن عذاب القبر ونعيمه من أمور الغيب التي نؤمن بها، وكان النبي ﷺ يستعيذ بالله من عذاب القبر، ويعلّم أصحابه الاستعاذة منه في الصلاة، ومن ذلك قوله ﷺ في دعائه:
«اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب جهنم…» رواه مسلم.
فلنستعد لهذا اليوم بالإيمان الصادق، والعمل الصالح، والمحافظة على الصلاة، والتوبة من الذنوب، وردّ الحقوق إلى أصحابها.
على أي حال نُبعث؟
قال رسول الله ﷺ: «يُبعث كل عبد على ما مات عليه» رواه مسلم.
فمن مات على طاعة، نرجو أن يُبعث عليها، ومن مات على معصية، فالخطر عظيم، والعياذ بالله. ولذلك ينبغي للإنسان أن يحرص على حسن الخاتمة، وأن يداوم على الطاعات، ويبتعد عن المعاصي، ويسأل الله الثبات حتى يلقاه.
كن في الدنيا كأنك غريب
قال رسول الله ﷺ لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما:
«كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» رواه البخاري.
ومعنى ذلك ألا يتعلّق الإنسان بالدنيا تعلّقًا ينسيه الآخرة، فهو فيها مسافر، وستنتهي رحلته يومًا ما، ولن يصحبه إلى قبره مال ولا جاه ولا منصب، وإنما يصحبه عمله.
الخلاصة
إن الموت قريب، وقد يأتي بغتة دون سابق إنذار، والعاقل هو من يستعد له قبل أن يأتي، ويحاسب نفسه قبل أن يُحاسب، ويعمل لآخرته قبل أن تنتهي فرصته.
قال رسول الله ﷺ: «الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله» رواه الترمذي.
فلنجعل من رحيل هؤلاء الأحبة موعظة توقظ قلوبنا من الغفلة، وتدفعنا إلى التوبة والعمل الصالح، والإحسان إلى الناس، وصلة الأرحام، والصدقة، والاستعداد للقاء الله.
العزاء موصول للأخ العزيز ناصر بن سيف العميري واسرة بني خروص اللذين انتقل منها شابين وآل بدر اللذين انتقل منهم الوالد عبدالله بن راشد البدري.
اللهم ارحم من فقدناهم بالأمس، واغفر لهم، وأسكنهم فسيح جناتك، واجعل قبورهم روضةً من رياض الجنة، ولا تجعلها حفرةً من حفر النار. اللهم اربط على قلوب أهلهم وذويهم، وألهمهم الصبر والسلوان.
اللهم أيقظ قلوبنا من غفلتها قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وارزقنا حسن الخاتمة، وثبّتنا على الحق حتى نلقاك وأنت راضٍ عنا.
حفظ الله العباد من كل سوء ومكروه، ورحم الله موتانا وموتى المسلمين.
إنا لله وإنا إليه راجعون.


