Uncategorized

من أعلى المنصة ياسر الفادني هل أحمد هارون بطل فيلم هندي لا يموت؟!

من أعلى المنصة

ياسر الفادني

هل أحمد هارون بطل فيلم هندي لا يموت؟!

هناك سياسيون حين يتحدثون تشعر أن وراء كلماتهم عقلاً يفكر، وتجربة تتحدث، ومؤسسة تقف خلفهم، وهناك آخرون يستهلكون ساعات البث في الضجيج، ثم لا تخرج من حديثهم بفكرة واحدة تستحق الاحتفاظ بها!

استمعت بإنصات إلى الحلقة التي قدمها الشاب الخلوق جدا ( ربعي) عبر برنامج (السودان بودكاست) مع مولانا أحمد هارون، رئيس المؤتمر الوطني، وبصراحة أقول إنني لم أستمتع منذ فترة طويلة بحوار سياسي بهذا القدر من الترتيب والنضج والهدوء، الرجل لم يكن يطلق تصريحات للاستهلاك، ولم يكن يطارد التصفيق، بل تحدث بحصافة، ووضع المبضع على مواضع الجراح، وشرح الحالة السياسية بقدر واضح من التماسك والثقة

ما لفت انتباهي ليس مجرد مضمون حديثه، بل الطريقة التي أدار بها أفكاره، تسلسل في الطرح، إحاطة بالملفات، قدرة على قراءة المشهد، وهدوء لا يفسده اختلاف ولا تستفزه الأسئلة، هنا تظهر المسافة الكبيرة بين السياسي الذي يمتلك مشروعاً ورؤية، والناشط الذي يظن أن ارتفاع الصوت دليل على قوة الحجة!
من خلال تلك الحلقة، بدا الفرق واضحاً بين الحصافة السياسية واللباقة والتعقل، وبين مدرسة (ضَرَبُوا رَمَي)!! التي لا تملك من السياسة سوى ردود الأفعال، كما بدا الفرق بين حزب له ذاكرة تنظيمية، وتاريخ في إدارة العمل السياسي، وأدوات للتخطيط والقراءة، وبين جماعة يبدو أن قرارها يُدار من فوق شنطة فرد أو فردين، كلما غاب أحدهما تعطلت البوصلة!

لعل المقولة العربية الشهيرة عن أن الرجال أربعة…. تقدم مدخلاً مناسباً لهذه المقارنة:
رجل يعلم ويعلم أنه يعلم، فذاك عالم فتعلموا منه …ورجل يعلم ولا يعلم أنه يعلم، فذاك نائم فنبهـوه. ورجل لا يعلم ويعلم أنه لا يعلم، فذاك جاهل فعلموه. ورجل لا يعلم ولا يعلم أنه لا يعلم، فذاك أحمق فاجتنبوه.
وبإسقاط هذه الحكمة على المشهد السياسي، يبدو أحمد هارون أقرب إلى النموذج الأول… رجل يعرف ما يقول، ويدرك ما وراء الكلمات، ويعرف كيف يرتب أفكاره ويقدمها، أما بعض خصومه فيبدو أنهم اختاروا المنحي الأخير، فلا هم أحسنوا قراءة الواقع، ولا أدركوا حدود معرفتهم، ومع ذلك يتحدثون بثقة من يملك مفاتيح السياسة كلها!

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل أحمد هارون بطل فيلم هندي لا يموت؟!
بالطبع لا أتحدث عن بطولة سينمائية، ولا عن رجل فوق النقد أو المساءلة، وإنما عن سياسي يبدو أنه كلما ظن خصومه أن صفحته طُويت، عاد إلى المشهد بقدرة لافتة على الحديث والمواجهة وترتيب الأوراق. إنها مفارقة السياسة السودانية، بعضهم يراهن على إسقاط الأشخاص بالشعارات، بينما يراهن الآخرون على البقاء بالقدرة على قراءة المشهد وإدارة المعركة السياسية

ليس معنى الإعجاب بحوار أن نتفق مع كل ما قاله صاحبه، وليس معنى الاعتراف بقدرة سياسية أن نمنح صاحبها صك براءة من النقد والمحاسبة ، لكن الإنصاف يقتضي أن نفرق بين من يجيد الحديث لأنه يعرف ما يقول، ومن يتحدث كثيراً لأنه لا يملك ما يقوله

إني من منصتي أنظر… حيث أرى …أن السياسة ليست ميكروفوناً مفتوحاً، ولا حقيبة يحملها شخص، ولا شعارات تُلقى في الهواء، السياسة عقل وتجربة وتنظيم وقدرة على قراءة ما وراء الأحداث، وفي هذه الحلقة، أعاد أحمد هارون طرح سؤال محرج على كثيرين: هل نحن أمام سياسيين يتقنون إدارة الأفكار، أم مجرد نشطاء يتقنون إدارة الضجيج؟!.

مقالات ذات صلة

إغلاق