Uncategorized
من أعلي المنصة ياسر الفادني آخر فصول البطون المنتفخة !!

من أعلي المنصة
ياسر الفادني
آخر فصول البطون المنتفخة !!
ذهب الرجل إلى الطبيب وهو يتلوى من ألمٍ شديد في بطنه، وما إن جلس أمام الطبيب حتى بدأ يصف حالته الغريبة:
(يا دكتور، عندي حاجة في بطني بتتنقز من اليمين للشمال، ومرة من فوق لتحت، وأحياناً بتتحرك في شكل نجمة!!
سأله الطبيب مستغرباً:(أكلت شنو؟) ، قال الرجل:
(أكلت بوش ظابط، وبعده كورة باكمبا ! ، وبعده أم جنقر ! ، وأخيراً حليت بأناناس شرايح.)
ابتسم الطبيب وقال:
البينقز دا …. الأناناس ! ، لأنك دخلتو في حتة ضيقة وداير يتخارج!
هذه النكتة الشعبية تختصر بدقة المشهد الذي نراه هذه الأيام في تصريحات الهالك حميدتي وشقيقه عبدالرحيم دقلو، فبعد سنوات من لغة السلاح، وبعد أن كانت البنادق تتحدث نيابة عن السياسة، خرج الرجلان فجأة يتحدثان عن الهدنة والسلام ووقف الحرب وكأنهما اكتشفا للتو أن الدم السوداني غالٍ، وأن الخراب ليس مشروعاً وطنياً
السؤال الذي يفرض نفسه: ما الذي ينقز داخل بطن المليشيا هذه الأيام؟
هل هو الإحساس المتأخر بالمسؤولية؟ أم أن (أناناس العمالة ) بدأ يبحث عن مخرج بعد أن ضاقت المساحات؟
الواقع يقول إن الاحتمال الأول ضعيف للغاية ، فمن أشعل النار في البيوت، وهجّر الملايين، وقتل الأبرياء، ونهب المدن، لا يستيقظ فجأة ليصبح حمامة سلام ، أما الاحتمال الثاني فهو الأقرب إلى المنطق؛ فالمليشيا تعيش واحدة من أصعب مراحلها منذ اندلاع الحرب ، الانقسامات تتسع، والتمرد يأكل أطرافه، والصراعات القبلية تتفجر داخل المناطق التي ظلت تحت سيطرتها وما حدث بين السلامات والهبانية ليس سوى عرض من أعراض المرض الكبير الذي أصاب المشروع كله
لقد كانت المليشيا تتصور أنها تستطيع أن تجمع كل المتناقضات تحت بندقية واحدة، لكن البندقية التي وجهت نحو الدولة والمجتمع بدأت ترتد على أصحابه وعندما تفشل المشاريع القائمة على القوة المجردة، يبدأ الحديث عن السياسة والسلام والحوارات الوطنية
فجأة أصبح السلام مطلوباً! وفجأة أصبحت الهدنة ضرورة! وفجأة صار الذين كانوا يتحدثون بلغة الحسم العسكري يتحدثون بلغة التسويات!
لكن الشعب السوداني ليس فاقداً للذاكرة. فهذه ليست فاتورة يمكن تمزيقها، وليست صفحة يمكن طيها بسهولة
السودانيون رأوا بأعينهم ما فعلته المليشيا في القرى والمدن. رأوا النهب والقتل والترويع والتهجير. رأوا كيف تحولت مناطق كاملة إلى خرائب. ورأوا أيضاً كيف أكلت المليشيا من مائدة الكفيل كل أصناف العمالة والارتزاق والتبعية.
واليوم، بعد أن التهمت( بوش الذي زيته الدم وكورة باكمبا وضعت فوق نيران الخراب وأم جنقرخلطت بدموع الثكالي) تريد أن تتحلى بأناناس العودة إلى المشهد السياسي والحكم!
لكن المشكلة أن هذا الأناناس دخل في مكان ضيق جداً ضيق اسمه ذاكرة الشعب السوداني ، وضيق اسمه دماء الشهداء وضيق اسمه معاناة الملايين وضيق اسمه وطن دفع ثمناً باهظاً نتيجة مغامرة لم تجلب سوى الخراب
لذلك فإن أصوات السلام التي تخرج اليوم من معسكر المليشيا لا تبدو للكثيرين دعوة صادقة بقدر ما تبدو محاولة لإعادة ترتيب الصفوف ولملمة الشتات والتقاط الأنفاس
لقد تجاوز السودانيون مرحلة الانبهار بالشعارات، وأصبحوا أكثر قدرة على التمييز بين السلام الحقيقي والسلام الذي يُستخدم كاستراحة محارب
أما الأناناس الذي بدأ يتنقز داخل بطن الأزمة، فقد يكون بالفعل يبحث عن مخرج!
إني من منصتي أنظر …. حيث أري …. المشكلة ليست في الخروج ، المشكلة في أن الشعب كله أصبح يعرف بالضبط من الذي أكل ماذا، ومن الذي أوصل البلاد إلى هذه الحالة، ومن الذي يحاول الآن أن يخرج من الباب الذي دخل منه .




