Uncategorized
من أعلي المنصة ياسر الفادني الوجع راقد …. ياحماد !

من أعلي المنصة
ياسر الفادني
الوجع راقد …. ياحماد !
في السودان لا تحتاج إلى عنوان ولا رقم هاتف إذا أردت أن ترسل شكواك، فقط اختمها بكلمة واحدة: (يا حماد!) وستشعر أن الرسالة وصلت… حتى لو لم تصل
لفت انتباهي صاحب عربة كتب خلفها: (الوجع راقد يا حماد) فأوقفت الرجل مدفوعاً بفضول الصحفي الذي لا يترك عبارة تمر دون أن يستجوبها ، قلت له: مالك؟ و من حماد؟ وهل يعمل في الإسعاف أم في حل النزاعات؟ فضحك وقال: (والله ما بعرفو) … لكن أي زول عندو مشكلة في السودان بنادي حماد!
اكتشفت أن الرجل نفسه ضحية انقلاب أسري ناعم، أحب فتاة، لكن مجلس الأمن العائلي انعقد على وجه السرعة، واستعمل حق النقض، فسقط مشروع الزواج بالإجماع، بينما العريس خرج من الجلسة بلا بيان ختامي ولا مؤتمر صحفي، واكتفى بأن يكتب وجعه على مؤخرة البوكسي مستغيثا بحماد !
ومن يومها صرت أقرأ مؤخرات العربات أكثر مما أقرأ عناوين الصحف،
هذا كتب: (وراء كل مديون امرأة) ! ولا أدري هل يقصد زوجته أم خطيبته أم محل الذهب الذي أقنعه بأن الحب يقاس بالغرامات!
وذاك كتب: (الله يحميك من الميكانيكي) ويبدو أن الرجل اكتشف أن الميكانيكي إذا قال لك: (الشغلة بسيطة)… فاعلم أن العربية دخلت العناية المكثفة، وأن جيبك دخل غرفة الإنعاش
أما العبارة التي أربكتني فهي: (كَشِّف يا حماد )! هنا شعرت أن الرجل بالغ قليلاً. أصبح حماد مسؤولاً عن الوجع، والزواج، والديون، والميكانيكية، والآن مطلوب منه أيضاً أن يكشف! بقي فقط أن يكتب أحدهم: يا حماد… البنزين زاد وآخر: يا حماد… العريس شتت وثالث: (يا حماد… المرتب ماجايب حقو !
والغريب أن حماد لا يحتج، ولا يصدر بياناً، ولا يرفع قضية تشهير، مع أن اسمه أصبح ماركة مسجلة لكل صاحب مصيبة
هذه الكتابات ليست زينة سيارات، وإنما ملفات قضايا تسير على أربع عجلات، كل عبارة وراءها قصة، وكل جملة تحمل هزيمة صغيرة أو ضحكة كبيرة، والسوداني عندما يعجز عن حل مشكلته لا يبكي عليها… بل يحولها إلى نكتة، ويعلقها خلف عربته حتى يضحك الناس، ويواصل هو السير
إني من منصتي أنظر …. حيث أقول : أنني أشفق على حماد أكثر من أصحاب العربات، فهو يحمل هموم شعب كامل، دون أن يعرف أنه يحملها أصلاً،
وأخشى أن يخرج علينا غداً حماد نفسه، ويكتب خلف عربته:
(حماد ذاتو… الوجع راقد !).



