Uncategorized
نصيحة تُكتب بماء من ذهب بقلم: سالم بن سيف الصولي

نصيحة تُكتب بماء من ذهب
بقلم: سالم بن سيف الصولي
في زمنٍ تتزاحم فيه المغريات، وتتعدد فيه وسائل اللهو، وتتنافس فيه الشاشات والمقاهي على أوقات الشباب، يصبح الحديث عن الصلاة حديثًا عن أعظم ما يمكن أن نقدمه لأبنائنا من نصح وإرشاد. فالشباب هم عماد الأمة، وعدتها للمستقبل، وفي صلاحهم صلاح المجتمع، وفي استقامتهم استقامة الطريق.
ومن هنا تأتي مسؤولية الأسرة والمجتمع والعلماء والمعلمين وكل من يحمل همَّ هذه الأمة في التذكير بالخير والدعوة إليه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة.
ولعل من أكثر ما يدعو إلى القلق أن ترى بعض شبابنا يحرصون على حضور مجالس اللهو، ويجدون الوقت للجلوس في المقاهي والكافيهات، ومتابعة الهواتف ووسائل التواصل، بينما تثقل عليهم الصلاة، ولا نراهم في المساجد، ولا سيما في صلاة الفجر.
والصلاة ليست أمرًا ثانويًا يمكن تأجيله أو الاستغناء عنه، وإنما هي أعظم أركان الإسلام العملية، وهي الصلة بين العبد وربه.
قال رسول الله ﷺ: «إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة»، رواه مسلم.
وقد اختلف العلماء في حكم تارك الصلاة تكاسلًا، لكنهم جميعًا متفقون على عظم شأن الصلاة وخطورة التفريط فيها.
وقال رسول الله ﷺ: «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر»، رواه الترمذي والنسائي.
فإذا كانت الصلاة أول ما يحاسب عليه الإنسان يوم القيامة، أفلا تستحق أن تكون أول ما نحافظ عليه في حياتنا؟
الفجر… بداية اليوم
صلاة الفجر ليست مجرد ركعتين يؤديهما المسلم قبل أن يبدأ يومه، وإنما هي إعلان مبكر عن صلته بربه، واختبار حقيقي لمدى صدق الإنسان في عبادته.
قال رسول الله ﷺ: «من صلى البردين دخل الجنة»، رواه البخاري ومسلم، والبردان هما الفجر والعصر.
وقال ﷺ: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها»، رواه مسلم.
وقال ﷺ: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر»، رواه البخاري ومسلم.
فيا شبابنا، لا تجعلوا النوم ينتصر على الصلاة، ولا تجعلوا السهر واللهو سببًا في ضياع الفجر. اجعلوا صلاة الفجر بداية يوم جديد، تبدأونه بطاعة الله قبل أن تنشغلوا بأمور الدنيا.
الظهر… وسط مشاغل الحياة
ويمضي النهار، وتتعدد الأعمال والمشاغل، وهنا تأتي صلاة الظهر لتذكر الإنسان بأن الدنيا مهما شغلته لا ينبغي أن تنسيه ربه.
قال رسول الله ﷺ: «من صلى أربع ركعات قبل الظهر وأربعًا بعدها حرّمه الله على النار»، رواه أبو داود والترمذي.
فليكن وقت العمل والدراسة والتجارة منظمًا حول الصلاة، لا أن تكون الصلاة هي التي نبحث لها عن وقت فائض من يومنا.
العصر… الصلاة التي حذّر النبي ﷺ من تركها
ولصلاة العصر مكانة عظيمة، وقد ورد التحذير الشديد من تركها.
قال رسول الله ﷺ: «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله»، رواه البخاري.
وقال ﷺ: «من صلى البردين دخل الجنة»، رواه البخاري ومسلم.
وقال الله تعالى:
﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾
[البقرة: 238].
وقد ثبت في الحديث الصحيح أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر.
المغرب… لحظة انتقال
وعندما تغيب الشمس وينتهي النهار، يأتي وقت صلاة المغرب، ليقف المسلم بين يدي ربه، معلنًا أن يومه لم يكن كله للدنيا.
قال رسول الله ﷺ: «صلوا قبل المغرب ركعتين»، ثم قال في الثالثة: «لمن شاء»، رواه البخاري.
وهكذا تتوزع الصلوات على ساعات اليوم، حتى يبقى قلب المسلم متصلًا بالله، فلا تستغرقه الدنيا وتنسيه آخرته.
العشاء… ختام اليوم بالطاعة
ثم تأتي صلاة العشاء، آخر الصلوات المفروضة في اليوم، وهي كذلك من الصلوات التي تحتاج إلى مجاهدة، خاصة بعد يوم طويل من العمل والدراسة والحركة.
قال رسول الله ﷺ: «من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله»، رواه مسلم.
وقال ﷺ: «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر»، رواه البخاري ومسلم.
وقال ﷺ: «لو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حَبْوًا»، رواه البخاري ومسلم.
شبابنا بين المسجد والمقهى
إن القضية ليست في أن يجلس الشباب في المقاهي، أو يلتقوا بأصدقائهم، أو يستمتعوا بأوقاتهم في حدود المباح؛ فالإسلام لا يمنع الإنسان من الاستمتاع بالحياة فيما أحل الله.
لكن القضية الحقيقية هي: هل أصبحت الدنيا تأخذ من وقتنا كل شيء، وأصبحت الصلاة تأخذ ما تبقى؟
نرى بعض الشباب يجد الساعات الطويلة للجلوس في المقاهي والكافيهات، ومتابعة المباريات ومواقع التواصل، والسهر حتى ساعات متأخرة من الليل، ثم يجد صعوبة في الاستيقاظ لصلاة الفجر.
وهنا يجب أن نتوقف قليلًا، لا لنجلد أبناءنا أو ننفرهم من الدين، وإنما لنذكرهم بالحقيقة ونأخذ بأيديهم إلى الطريق الصحيح.
فالشاب الذي نحافظ عليه اليوم بالصلاة، هو الأب الذي سيعلم أبناءه الصلاة غدًا، والمعلم الذي سيغرسها في طلابه، والمسؤول الذي يحمل الأمانة، والمواطن الذي يبني مجتمعه.
الصلاة ليست عبئًا… بل نجاة
قال رسول الله ﷺ: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفِّرات ما بينهن إذا اجتُنبت الكبائر»، رواه مسلم.
فالصلاة ليست عبئًا على الإنسان، وإنما هي رحمة، ونور، وطمأنينة، وصلة بالله، وسبب للفلاح في الدنيا والآخرة.
ومن هنا فإن مسؤوليتنا تجاه أبنائنا لا تقتصر على توفير الطعام والشراب والتعليم، بل علينا أن نربيهم على الصلاة، وأن نكون لهم القدوة قبل أن نكون لهم الناصحين.
فالابن الذي يرى والده يترك عمله عندما يؤذن للصلاة ليقف بين يدي الله، سيتعلم من الفعل أكثر مما يتعلم من عشرات الكلمات.
والبنت التي ترى أمها تحرص على الصلاة في وقتها، ستعرف أن الصلاة ليست أمرًا هامشيًا في الحياة، وإنما هي جزء أصيل من شخصية المسلم.
كلمة أخيرة
يا شباب الأمة، العمر يمضي سريعًا، والأيام التي نعيشها اليوم لن تعود غدًا.
فلا تجعلوا أجمل سنوات أعماركم تضيع في اللهو والغفلة، بينما أبواب الرحمة مفتوحة، والمساجد قريبة، ونداء الصلاة يتردد خمس مرات في اليوم.
اجعلوا الصلاة موعدكم الثابت مع الله، ولا تسمحوا للدنيا أن تسرق منكم هذا الموعد.
ولنتذكر جميعًا أن الصلاة ليست مجرد خمس دقائق نؤديها ثم ننساها، بل هي خمس محطات في اليوم تعيد ترتيب حياتنا وقلوبنا وأولوياتنا.
فلنأخذ بأيدي شبابنا إلى الصلاة بالقدوة والمحبة والكلمة الطيبة، ولنجعل من المسجد مكانًا يجتمع فيه الشباب، ومن الصلاة عنوانًا للاستقامة، ومن الأخلاق ثمرة لهذه العبادة العظيمة.
اللهم أصلح شبابنا، واهد أبناءنا، وحبب إليهم الصلاة، واجعلها قرة أعينهم، ووفقنا جميعًا للمحافظة عليها في أوقاتها، واجعلنا من أهل المساجد والطاعة.
والله المستعان.


