Uncategorized
الموبايل يسحب البساط من تحت أقدام بقية الوسائط بقلم: علاء الدين محمد ابكر

الموبايل يسحب البساط من تحت أقدام بقية الوسائط
بقلم: علاء الدين محمد ابكر
كان التلفزيون في القرن الماضي “صندوق العائلة” الذي تجتمع حوله الأسرة لمتابعة نشرة الأخبار والمسلسل والبرنامج الرياضي. كان هو بوابة العالم. ومع ظهور الحاسوب الشخصي والإنترنت في التسعينات، بدأ المشهد يتغير. دخل لاعب جديد إلى معركة المعلومة، وبدأنا ننتقل من “الجلوس أمام الشاشة” إلى “البحث عن الخبر”.
لكن اليوم، في عصر السرعة والذكاء الاصطناعي، حدثت النقلة الأكبر. البساط سُحب بالكامل من تحت التلفزيون والحاسوب، وانتقل إلى شيء واحد: الهاتف المحمول.
ما كان يحتاج بالأمس إلى استديو بملايين الدولارات وكاميرات ومخرجين وفنيين، أصبح اليوم يتم بهاتف وزنه 200 جرام. الذكاء الاصطناعي وتقنيات التصوير بدقة عالية وتطبيقات المونتاج الذكي حولت الموبايل إلى محطة إذاعة وقناة تلفزيون وصحيفة واستديو بودكاست وبنك ومدرسة في جهاز واحد. الصحفي لم يعد ينتظر سيارة البث، بل يصور الحدث ويبثه مباشرة من مكان الواقعة. والمؤثر لم يعد يحتاج شركة إنتاج ليخرج برنامجه من غرفته. حتى المواطن العادي صار مراسلاً، فأي حادث في الشارع يصل إلى العالم خلال دقائق عبر هاتف شخص عابر.
والسبب في انتصار الموبايل بسيط: الوجود الدائم. لا يمكنك أن تحمل تلفزيوناً معك في المواصلات، ولا جهاز حاسوب محمول في يدك طوال اليوم. لكن الهاتف معك وأنت نائم، وأنت تعمل، وأنت في المستشفى، وأنت مسافر. هو خفيف وسريع ومتصل بالإنترنت على مدار الساعة ويعمل باللمس، لذلك صار الخيار الافتراضي الأول عند حدوث أي خبر عاجل. إلى جانب ذلك فهو “صندوق سحري” متعدد المهام، ففي نفس الدقيقة تستطيع أن تشاهد خبراً وتدفع فاتورة وترد على بريد إلكتروني وتطلب طعاماً وتتعلم لغة جديدة. لا توجد وسيلة أخرى تجمع كل هذا في مكان واحد.
لهذا السبب صارت كل المؤسسات تحرص على التواجد على المنصات التي تبث عبر الهاتف الجوال. القنوات التلفزيونية أنشأت تطبيقاتها، والصحف الورقية تحولت إلى مواقع وتطبيقات، والبنوك والجامعات والوزارات والمستشفيات أطلقت خدماتها عبر الموبايل أولاً. وحتى الدول المتقدمة استثمرت بكثافة في البنية التحتية للهاتف المحمول من شبكات الجيل الخامس إلى التطبيقات الحكومية والخدمات الصحية والتعليمية عبر الهاتف، لأنها أدركت أن الموبايل لم يعد رفاهية بل أصبح البنية التحتية الجديدة للتواصل بين الدولة والمواطن.
هذا لا يعني اختفاء التلفزيون أو الحاسوب. لا يزال للتلفزيون جمهوره الذي يفضل الشاشة الكبيرة وتجربة المشاهدة الجماعية والمتعة البصرية للأفلام والرياضة. ولا يزال الحاسوب المحمول هو الأداة الأساسية للمصممين والمبرمجين والمحللين الذين يحتاجون إلى شاشة كبيرة ولوحة مفاتيح. لكن كلاهما تراجع من المركز إلى الخيار الثاني. أصبح التلفزيون لوقت الفراغ في البيت، والحاسوب لوقت العمل المكتبي، أما الموبايل فهو للحياة كلها.
الخلاصة أن الموبايل لم يقتل الوسائط الأخرى، لكنه أعاد ترتيبها. سحب منها دور الوسيط الأول للأخبار والمعلومة ومنحها لنفسه. وفي زمن لا ينتظر أحد، انتصر الجهاز الأخف والأسرع والأقرب لليد. فالمستقبل لن يكون لمن يملك أكبر استديو، بل لمن يملك أقوى تطبيق على هاتف في جيبك.
علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com


