Uncategorized
عصام الصولي يكتب: الرجل الأبيض

عصام الصولي يكتب: الرجل الأبيض
قليلون هم أولئك الذين يتركون بصماتهم وتوقيعاتهم على دفتر الحضور الوطني، فتظل أسماؤهم ساطعة في لوحة الشرف والعطاء، ويستحقون عن جدارة لقب «أبناء السودان البررة»، بما قدموه من أدوار وطنية مشهودة في مختلف ضروب ومجالات الحياة السودانية.
والشيخ محي الدين عثمان واحد من هؤلاء الرجال الأفذاذ الذين سجلوا حضوراً مبكراً ومؤثراً في مسيرة الاقتصاد الوطني، وكان من أوائل الذين اقتحموا أبواب الاستثمار، وجعلوا من نشاطهم الاقتصادي وسيلة لخدمة الناس والمساهمة في معالجة قضايا المجتمع.
ومن عاش فترة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي لا بد أنه يذكر أزمة المواصلات الخانقة التي كانت تضرب الخرطوم. كانت العاصمة وقتها تعج بالمواطنين الذين يتزاحمون بحثاً عن مقعد في باص، أو حتى موطئ قدم في «كنتر» من تلك المركبات التي لم تكن مخصصة أصلاً لنقل الركاب، وإنما لنقل السلع والبضائع.
وكان المواطنون يقضون الساعات الطوال في انتظار وسيلة تقلهم إلى وجهاتهم، تحت سياط شمس الظهيرة اللاهبة، التي كانت تحرق الرؤوس والظهور، بينما يتصبب الناس عرقاً من شدة الحر، ويلجأ بعضهم إلى تغطية رؤوسهم بالصحف اتقاءً لأشعة الشمس.
وفي خضم ذلك الواقع الصعب جاءت الانفراجة مع دخول باصات «تاتا» الهندية الشهيرة، التي ارتبط اسمها بالشيخ محي الدين عثمان، وأسهمت بصورة واضحة في فك أزمة المواصلات. كانت تلك الباصات أنيقة ومريحة، ذات مقاعد مناسبة وسعات كبيرة، فأضفت مظهراً جديداً على شوارع الخرطوم، وانتشرت في مختلف خطوط المواصلات.
وكان لهذه الباصات أثر كبير في تخفيف معاناة المواطنين، حتى إن المحطات التي كانت تكتظ بالركاب بدأت تخلو تدريجياً، بعد أن أصبح المواطن يجد وسيلة نقل مريحة ومتاحة بدرجة أفضل مما كان عليه الحال في السابق.
ولم تتوقف إسهامات الشيخ محي الدين عثمان عند باصات «تاتا»، بل امتدت إلى خطوط المواصلات القصيرة، خاصة في أم درمان، حيث وفر مركبات صغيرة الحجم، صفراء فاقع لونها، اشتهرت آنذاك باسم «التاكسي التعاوني»، ولا يزال بعضها يعمل حتى اليوم، شاهداً على تلك المرحلة.
أما إذا تحدثنا عن إنجازه الأهم والأكبر، فلا يمكن أن نغفل دوره في نهضة وتطوير زراعة القطن في السودان، وهو المجال الذي كرس له الكثير من علاقاته وخبراته وقدراته، وسعى من خلاله إلى استقطاب التمويلات الدولية والإقليمية، والتواصل مع الشركات العالمية والمؤسسات المصرفية، دعماً لهذا المحصول الاستراتيجي.
وفي عهد الدكتور عابدين محمد علي، شهدت شركة السودان للأقطان قفزات نوعية كبيرة، توسعت خلالها المساحات المزروعة بالقطن في المشاريع الزراعية، ورافق ذلك ارتفاع ملحوظ في الإنتاج، إلى جانب العمل على تأهيل المحالج وتوفير مدخلات إنتاج نوعية وحديثة للمزارعين.
وكان يمكن، لولا الحروب القذرة المأجورة والحملات التي استهدفت الشيخ محي الدين عثمان والدكتور عابدين محمد علي، وما قادتهما إليه ظلماً وجوراً إلى قاعات المحاكم، أن يستعيد القطن السوداني مكانته الطبيعية والريادية، وأن يعود إلى صدارة قائمة الصادرات السودانية.
ومهما يكن من أمر، فإن الدور الذي اضطلع به الشيخ محي الدين عثمان في دعم الاقتصاد السوداني، وما قدمه من إسهامات في مجالات النقل والاستثمار وتطوير زراعة القطن، يظل أمراً لا ينكره إلا مكابر أو صاحب غرض.
ونحن إذ نوثق لشيء يسير من سيرته ومسيرته العطرة، ندرك أننا لن نوفيه حقه كاملاً، فمسيرة الرجال الذين تركوا أثراً في حياة الناس لا تختصرها الكلمات، ولا تحيط بها المقالات، وإنما تظل محفورة وراسخة في عقول وقلوب من عاصروهم وعرفوا فضلهم.
نكتب عن الشيخ محي الدين عثمان اليوم بعد أن حملت إلينا الأخبار أنه طريح السرير الأبيض في مكان اغترابه الحالي، سائلين الله تعالى أن يمن عليه بنعمتي الصحة والعافية، وأن يعجل له بالشفاء، وأن يرده إلى أهله ووطنه سالماً معافى.
فالسودان في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخه أحوج ما يكون إلى أمثال الشيخ محي الدين عثمان، أصحاب الخبرة والتجربة والعلاقات الممتدة، ليسهموا بما اكتسبوه من معرفة وخبرة في معركة البناء والتنمية وإعادة الإعمار.
شفاك الله يا شيخ محي الدين، وألبسك ثوب الصحة والعافية، وأعادك إلى وطنك الذي قدمت له الكثير، لتواصل دورك في خدمة السودان وأهله، فالأوطان تحفظ في ذاكرتها رجالها، ولا تنسى من أسهموا في صناعة أيامها الجميلة.



