Uncategorized
من الاختلال البنيوى الى التنافسية طريق السودان لصادرات قوية بقلم : د. مستشار عبد العزيز محمد محمد أحمد أبوطالب
من الاختلال البنيوى الى التنافسية طريق السودان لصادرات قوية
بقلم : د. مستشار عبد العزيز محمد محمد أحمد أبوطالب
نتستهدف بهذا المقال تشخيص الأسباب الجوهرية والهيكلية التي أدت إلى تعطل قدرة الاقتصاد السوداني عن تحويل ميزاته النسبية إلى مزايا تنافسية مستدامة ، بالاستناد إلى تحليل ميداني وإحصائي شامل يغطي السلسلة الزمنية (1990–2021) وبيانات التجارة الخارجية والبنك المركزي ، يخلص المقال إلى أن الأزمة التصديرية لا ترجع فقط إلى متغيرات الاقتصاد الكلي ، بل تعود بالأساس إلى خمسة اختلالات بنيوية يجب العمل على اصلاحها والتى تتراوح بين التركيز السلعي وخسارة القيمة المضافة ، وصولاً إلى الضعف المؤسسي داخل الشركات.
ولتجاوز هذه الاختلالات ، يقدم المقال “نموذج الملاءمة الشامل” كإطار مفاهيمي وعملي يربط بين التوجه نحو الدولية، والتوجه الريادي، وجودة علاقات التصدير، محددةً خارطة طريق من أربعة محاور لإصلاح القطاع وتنمية الحصائل غير النفطية.
إن السعي لإنعاش القطاع التصديري السوداني وتنمية الحصائل غير النفطية يتطلب تشخيصاً استراتيجياً عميقاً لا يقتصر على الظواهر السطحية، بل ينفذ إلى الأسباب الجوهرية والهيكلية التي عطلت قدرة الاقتصاد الوطني عن تحويل ميزاته النسبية إلى مزايا تنافسية مستدامة.خاصة ان شركات التصدير السودانية تعمل فى بيئة تشغيلية ومؤسسية شديدة التعقيد، تسببت في الحد من تنافسيتها الدولية وتقليل قدرتها على الاستمرار في الأسواق العالمية.
ونستند إلى نتائج دراسة تطبيقية لاطروحة كاتب المقال باللغة الانجليزية للحصول على شهادة دكتوراة وكانت الاطروحة بعنوان ” الأثر التفاعلي بين التدويل والتوجه الريادي في أداء الصادرات السودانية تحت اختبار معدل علاقة جودة الصادرات(1990–2021) ، The interaction effects between Internationalization, and Entrepreneurial Orientations in Sudan Export Performance: The Moderator’s Role on Export Relationship Quality. 1990-2021.
مستهدفة وضع خارطة طريق متكاملة لإصلاح هذا القطاع الحيوي وتوفير أرضية علمية صلبة لصناع القرار والمؤسسات التجارية لإعادة بنائه على أسس مستدامة.
ان التشخيص الميداني للاختلالات الهيكلية الخمسة حين
كشفت بيانات البنك المركزي والتجارة الخارجية والمسوح الميدانية الممتدة بين عامي 2012 و2021 عن تشخيص موثق لخمسة اختلالات بنيوية رئيسية تعوق نمو واستدامة الصادرات السودانية:
أولاً: فقدان القيمة المضافة والتركيز السلعي (Commodity Concentration & Loss of Value Addition)
أظهرت بيانات التجارة الخارجية والبنك المركزي الممتدة من 2012 إلى 2021 أن ما يزيد عن 41.7% من حصيلة الصادرات الزراعية والحيوانية تتركز في سلع أولية خام قليلة، وفي مقدمتها: السمسم (شكل نحو 12% من إجمالي الحصيلة)، الثروة الحيوانية والماشية الحية (16%)، إضافة إلى الصمغ العربي، القطن، والجلود الخام.
التصدير في الصورة الخام: تصدير المنتجات في صورتها الأولية يفقد السودان القيمة المضافة العالية التي تُجنى عند معالجتها وتصنيعها محلياً (مثل تحويل السمسم إلى زيوت وطحينة، والجلود إلى مصنوعات جلدية، والصمغ العربي إلى مستحضرات صيدلانية وغذائية).
تقلب الأسعار العالمية: يعرض هذا التركيز السلعي الاقتصاد الكلي للصدمات الخارجية والتذبذب الحاد في الأسعار العالمية للسلع الأولية (Commodity Price Volatility)، مما يمنع بناء حصيلة ثابتة ومستقرة من النقد الأجنبي.
ثانياً: الانكشاف والتركيز في أسواق محدودة (Geographic Market Concentration)
تكشف نتائج الدراسة الميدانية أن متوسط عدد الأسواق المستهدفة للمصدر السوداني لا يتجاوز 2.2 دولة مقصد لكل شركة، مقارنة بالدول المجاورة والإقليمية التي يستهدف مصدرها من 3 إلى 5 أسواق.
تمركز الصادرات: تستوعب السوقان العربية والآسيوية وحدهما نحو 78% من إجمالي الصادرات السودانية غير النفطية خلال الفترة من 2012 إلى 2021 (تتصدرها الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية)، بينما تبلغ مساهمة الدول الأوروبية والصناعية المتقدمة مجتمعة أقل من 7%.
مخاطر التركيز التجميعي: يرفع هذا الانكشاف الجغرافي من المخاطر التجارية والسياسية، ويحرم المصدر السوداني من الوصول إلى الأسواق عالية الدخل والطلب (High-Value Markets) في أوروبا وشمال أمريكا، والتي تطلب معايير جودة دقيقة واشتراطات صحية صارمة.
ثالثاً: تراجع بيئة الأعمال وضعف مؤشرات التجارة عبر الحدود (Doing Business Constraints)
احتل السودان المرتبة 171 من بين 190 دولة في تقرير ممارسة الأعمال الصادر عن البنك الدولي (Doing Business Report 2020)، مما يعكس وجود بيئة تشغيلية مكبلة للنشاط التصديري.
تعدد الرسوم والجبايات: يعاني المصدرون من تعدد الرسوم الولائية والاتحادية غير المرتبطة بخدمات، والتداخل بين الأجهزة الحكومية المعنية بالتصديق والتفتيش، مما يرفع تكلفة الإنتاج والتصدير ويقلل التنافسية السعرية.
الممارسات الإدارية واللوجستية: البطء في إجراءات التجارة عبر الحدود، وتأخر التخليص الجمركي، وضعف البنية التحتية للنقل وسلاسل الإمداد والتبريد، يؤدي إلى تلف الكميات واستنزاف الهوامش الربحية للشركات.
رابعاً: هشاشة هيكل الشركات وتراجع معدلات الاستمرارية (Firm Structure & Negative Net Entry Rates)
وفقاً لدراسة التعديل التجاري التشخيصي (DTIS)، فإن القطاع التصديري السوداني يفتقر إلى الشركات “العملاقة” أو ما يُعرف بـ (Export Superstars) التي تقود القطاع في الدول المتقدمة والناشئة.
هيمنة الشركات الصغيرة: يسيطر على السوق عدد كبير من الشركات الصغرى التي تفتقر إلى الكفاءة المالية والتشغيلية، مع وجود نسبة ضئيلة جداً (نحو 7% فقط) من الشركات الكبرى التي تتجاوز صادراتها 5 ملايين دولار سنوياً وتستحوذ على 84% من إجمالي الصادرات.
تراجع معدلات الاستمرارية والتراكم: أظهرت البيانات ميدانياً تراجع معدلات صافي دخول الشركات الجديدة لقطاع التصدير، وارتفاع معدلات خروج المؤسسات الصغيرة والمتوسطة (Negative Exporter Net Entry) نتيجة الضغوط الاقتصادية وعدم القدرة على تحمل تقلبات أسعار الصرف والتضخم المزمن.
خامساً: القصور المؤسسي في نظم التدويل وجودة العلاقات (IO & ERQ Deficits)
أثبتت نتائج الدراسة التطبيقية أن غالبية الشركات السودانية تعاني من نقص في التوجه الدولي والريادي وقصور في إدارة الشراكات الخارجية:
البعد التقييمى
مظاهر الاختلال
الاثر المباشر على الاداء التصديرى
التوجه نحو الدولية (IO)
ضعف المعرفة التصديرية التشريعية والتسوقية، وتمركز الإدارة في حل المشكلات المحلية اليومية دون وجود رؤية استراتيجية للتدويل.
صعوبة اختراق أسواق جديدة والاعتماد على السماسرة والوسطاء الخارجيين.
التوجه الريادي (EO)
تغليب النظرة النمطية والمحافظة في الممارسات التجارية، وغياب الابتكار في التعبئة والتغليف، وضعف القدرة التنافسية.
فقدان القدرة على اقتناص المزايا الأولى (First-Mover Advantage) في الأسواق الناشئة.
جودة علاقات التصدير (ERQ)
ضعف آليات بناء الثقة (Trust) والالتزام (Commitment) طويل الأجل مع المستوردين، والاعتماد على صفقات عابرة غير مستدامة.
تذبذب العلاقة مع المستوردين بالخارج وسهولة استبدال المصدر السوداني بمنافسين من دول أخرى.
البيانات معاد تنظبمها من دراسة عبد العزيز محمد محمد احمد (2023) الأثر التفاعلي بين التدويل والتوجه الريادي في أداء الصادرات السودانية تحت اختبار معدل علاقة جودة الصادرات(1990–2021), جامعة امدرمان الاسلامية .
يقوم “نموذج الملاءمة الشامل” على فكرة جوهرية وبسيطة مفادها أن النجاح في التصدير والاستمرار في الأسواق العالمية لا يحدث بالصدفة، ولا يتحقق لمجرد امتلاك منتج ممتاز أو رغبة قوية في البيع للخارج، بل يتطلب انسجاماً وتوافقاً تاماً بين ثلاثة أركان أساسية تعمل معاً كمنظومة واحدة لا تتجزأ:
(التوجه نحو الدولية -Internationalization Orientation (IO): يمثل المعرفة والوعي الاستراتيجي لدى إدارة الشركة؛ فالتصدير الناجح يتطلب دراسة عميقة للأسواق الخارجية، وفهماً دقيقاً للتشريعات والقوانين واشتراطات الجودة في الدول المستهدفة، ومعرفة سلوك المستهلك الأجنبي. الشركة التي تفتقر لهذا البُعد تتخبط في قراراتها، وتظل أسيرة للمشاكل المحلية اليومية، وتعتمد كلياً على السماسرة والوسطاء، مما يفقدها القدرة على التوسع والتخطيط المستقبلي.
التوجه الريادي -: Entrepreneurial Orientation (EO) إذا كانت المعرفة هي العقل، فإن التوجه الريادي هو المحرك والوقود الذي يدفع الشركة للأمام. ويقصد به روح الابتكار، والجرأة المحسوبة، والقدرة على اقتناص الفرص قبل المنافسين. التوجه الريادي هو الذي يجعل الشركة لا تكتفي ببيع المواد الخام بصورتها النمطية القديمة، بل تسعى لتطوير المنتجات، وتحسين التعبئة والتغليف، وإضافة قيمة مضافة تصنيعية تجعل المنتج المنافس أكثر جاذبية وأعلى سعراً في البورصات العالمية.
(جودة علاقات التصدير -: Export Relationship Quality (ERQ) حتى لو امتلكت الشركة المعرفة الكاملة والروح الريادية، فإنها لن تستطيع الصمود في السوق الدولي دون بناء علاقات متينة وطويلة الأجل مع المستوردين والشركاء بالخارج. يقوم هذا الجسر على مفهومي الثقة والالتزام؛ فالشركات التي تعتمد على صفقات عابرة وسريعة تظل عرضة للاستبدال بمنافسين آخرين في أي لحظة. أما الشراكات الاستراتيجية القائمة على الالتزام بالمواعيد، والشفافية، وجودة المنتج، فهي التي تضمن للشركة استمرارية التدفقات المالية وصمودها أمام الأزمات.
يشبه النموذج هذه الأركان الثلاثة برحلة قيادة ناجحة: التوجه نحو الدولية يمثل الخريطة والبوصلة التي تحدد الاتجاه الصحيح، والتوجه الريادي يمثل محرك السيارة القوي الذي يدفعها للتحرك والتفوق، بينما تمثل جودة العلاقات الطريق الممهد الذي يسير عليه الجميع بأمان وثبات وصولاً إلى الهدف. وحين تتكامل هذه العناصر الثلاثة مع تقديم منتج ذي جودة عالية ومعايير معتمدة، يتحول التصدير من عملية عشوائية محفوفة بالمخاطر إلى نشاط استراتيجي مستدام.
ولمواجهة الاختلالات الميدانية الخمسة، نوصي بتبني خارطة طريق علاجية حاسمة تدمج بين الإصلاحات الكلية والجزئية وفق التنسيق المطور التالي:
المحور
السياسات والمبادرات الموصى بها
الاداة التنفيذية
مؤشر قياس الاداء الرئسية (KPIs )
.1 القيمة المضافة والتصنيع
الحظر التدريجي لتصدير السلع الخام (السمسم، الجلود، الصمغ) مقابل حوافز ضريبية وجمركية لمصانع المعالجة والزيوت.
قانون تنظيم التجارة وقانون التنمية الصناعية.
• خفض نسبة تصدير المواد الخام من 41.7% إلى أقل من 20%.
• رفع نسبة عوائد الصادرات المصنعة والنصف مصنعة لتشكل 50% من الحصيلة.
.2 التنويع الجغرافي
إعادة تنظيم الملحقيات التجارية لتكون الذراع الاستخباراتي الميداني للمصدرين Market intelligence وتوفير دراسات أسواق الكوميسا وأوروبا.
الدبلوماسية التجارية الذكية Commercial diplomacy وأدلة الأسواق
• زيادة متوسط أسواق المقصد للشركة السودانية من 2.2 إلى 4 دول.
• رفع حصة الصادرات للأسواق عالية الدخل (أوروبا وأمريكا) من 7% إلى 20%.
3. الإصلاح اللوجستي
إنشاء “النافذة الواحدة” لإجراءات الصادر، وتوحيد الرسوم وإلغاء الجبايات، وتحديث بنيات النقل والتبريد والموانئ.
أتمتة إجراءات الصادر وتراخيص التجارة
• خفض زمن وتكلفة إجراءات التخليص والتفتيش الجمركي بنسبة 60%.
• تقدم ترتيب السودان في مؤشر التجارة عبر الحدود بنحو 40 مرتبة.
.4 بناء التكتلات
تشجيع اندماج الشركات الصغرى والمتوسطة في كونسورتيوم تصديري ($Export\ Consortia$) لتقليل التكاليف وتعزيز علاقات التصدير ($ERQ$).
الإطار التنظيمي لتأسيس التحالفات التصديرية
• زيادة نسبة الشركات التصديرية العملاقة ($Superstars$) من 7% إلى 20%.
• رفع معدل استمرارية وبقاء الشركات الجديدة في القطاع بنسبة 35%.
البيانات معاد تنظبمها من دراسة عبد العزيز محمد محمد احمد (2023) الأثر التفاعلي بين التدويل والتوجه الريادي في أداء الصادرات السودانية تحت اختبار معدل علاقة جودة الصادرات(1990–2021), جامعة امدرمان الاسلامية .
إن التغلب على الاختلالات البنيوية في هيكل الصادرات السودانية يمثل الشرط الأساسي لإنجاح أي خطة للتحول الاقتصادي، وهو ما يتطلب إرادة مؤسسية قوية تتجاوز الحلول المؤقتة إلى تطبيق نموذج الملاءمة التفاعلي الشامل.
يوفر نموذج الملاءمة الشامل لصناع القرار والمصدرين السودانيين إطاراً عملياً يتلخص في التوصيات التنفيذية التالية:
الانتقال من التصدير العابر إلى الشراكات الاستراتيجية: التوقف عن بيع المواد الخام في شكل صفقات سريعة فردية، والبناء على عقد شراكات طويلة الأجل قائمة على الثقة والالتزام (ERQ).
بناء القدرات المؤسسية المتوازنة: عدم الاكتفاء بالرغبة في التصدير دون امتلاك المعرفة السوقية (IO) والقدرة على الابتكار والتعبئة والتصنيع الزراعي (EO).
تحقيق الاستدامة التنافسية: تحويل الصادرات السودانية من المنافسة السعرية الضعيفة على المواد الخام إلى المنافسة على الجودة والقيمة المضافة والشراكات الدولية المتينة.
خلاصة القول : “وفقاً لنموذج الملاءمة الشامل، تُعد التنافسية التصديرية منظومة متكاملة؛ يُمثّل فيها كلٌّ من التوجه الدولي والتوجه الريادي القوة المحركة للشركة، بينما تُشكّل جودة العلاقات (ERQ) البيئة المُمكّنة والمسار الذي يضمن للشركة تحقيق أعلى مستويات الأداء والتفوق التصديري المستدام.
والله ولي التوفيق ،،

