Uncategorized

من أعلي المنصة ياسر الفادني ماغَيَّرت ريدتوا السنين ….وما بَدٍَّل إحساسو الزمن !

من أعلي المنصة

ياسر الفادني

ماغَيَّرت ريدتوا السنين ….وما بَدٍَّل إحساسو الزمن !

هناك أغنيات تنتهي بانتهاء آخر نغمة فيها، وهناك أغنيات يبدأ عمرها الحقيقي بعد أن يصمت اللحن، ومن هذا الصنف النادر جاءت (رجع البلد)، عمل فني لم يعد ملكًا لشاعره ولا لملحنه ولا لمطربه، بل أصبح ملكًا لذاكرة السودانيين جميعًا، فما إن تنساب مقدمتها حتى يفتح كل مستمع نافذة خاصة به على الحنين، وعلى وجه غائب، وعلى مدينة اشتاق إليها، وعلى وطن لا يغادر القلب مهما ابتعدت المسافات

اجتماع أبو آمنة حامد بمحمد الأمين كان التقاء مدرستين كبيرتين، الأولى ترى أن الكلمة يجب أن تُرى قبل أن تُسمع، والثانية تؤمن بأن اللحن ليس مرافقةً للنص، بل شريك في كتابته من جديد

منذ البيت الأول، يأخذنا أبو آمنة إلى عالم لا تحكمه قوانين الواقع، وإنما قوانين الشعر.
(جانا الخبر شايلو النسيم
في الليل يوشوش في الخمائل)
الخبر لا يأتي مع البشر، بل تحمله الريح، والليل لا يظل صامتًا، بل يتحول إلى راوٍ يهمس في الأشجار. هنا تظهر أولى سمات مدرسة أبي آمنة ،التشخيص، أو ما يسميه البلاغيون (إضفاء الحياة على الجماد)، فالنسيم أصبح رسولًا، والليل صار متحدثًا، والطبيعة كلها دخلت في حالة انتظار، وكأن الكون نفسه كان يترقب لحظة العودة

ثم ترتقي الصورة إلى مستوى أكثر إدهاشًا:
(هش الزهر… بكت الورود
وسالت مشاعر الناس جداول)!
أي خيال هذا الذي يجعل الزهور تهتز فرحًا، والورود تبكي، والمشاعر تتحول إلى جداول تجري في الطرقات؟
هذه ليست مبالغة شعرية، وإنما بناء فني متكامل فالشاعر لا يصف الفرح، بل يصنعه أمامك، ولذلك فإن القارئ لا يقرأ الصورة، بل يراها!!
وهذه هي مدرسة أبو آمنة حامد التي ميّزته عن كثير من أبناء جيله، فهو لا يعتمد على المفردة الصعبة، ولا يستعرض ثقافته اللغوية، وإنما يصنع الدهشة من أبسط الكلمات، يكتب باللهجة السودانية، لكنها ترتفع إلى مستوى الشعر الإنساني الذي يفهمه كل من عرف معنى الشوق

ولعل أجمل ما في النص أنه يترك الباب مفتوحًا أمام التأويل، فمن هو الذي رجع؟ هل هو شخص؟ أم حبيب؟ أم رمز؟ أم أن الوطن نفسه هو الذي عاد؟
هذا الغموض الجميل هو أحد أسرار خلود القصيدة، لأن كل مستمع يجد نفسه داخلها
ثم تأتي اللازمة الخالدة:
(رجع البلد… بعد السنين المُرّة)
ثلاث كلمات فقط، لكنها تحمل من الطاقة الشعورية ما تعجز عنه صفحات كاملة، هنا تظهر عبقرية التكثيف فلا شرح، ولا إسهاب، ولا خطابة، مجرد إعلان بسيط، لكنه يهز الوجدان

الراحل المقيم محمد الأمين تعامل مع هذا النص كما يتعامل الرسام مع لوحة نادرة، لم يلحن الكلمات، وإنما قرأ ما بين سطورها ، البناء اللحني في الأغنية يقوم على ما يعرف بالتدرج الدرامي حيث يبدأ اللحن هادئًا، يكاد يكون همسًا، ثم يتسع تدريجيًا حتى يبلغ قمته عند اللازمة، وهذا التصاعد يجعل المستمع يعيش الرحلة الشعورية كاملة، من الانتظار، إلى البشارة، ثم إلى الانفجار العاطفي بالفرح

ومن أسرار جمال اللحن أيضًا اعتماده على الجملة الطويلة المتدفقة، وهي من السمات الخاصة بمحمد الأمين، فهو لا يقطع الإحساس بجمل قصيرة، وإنما يترك النغمة تمتد كما يمتد النفس الإنساني عند الانفعال
وعندما نتحدث عن محمد الأمين، فلا بد أن نتوقف عند الدوزنة، وهي ليست مجرد ضبط أوتار الآلات كما يظن البعض، بل حالة من التوازن الكامل بين الصوت، والعود، والكمان، والإيقاع، كل آلة تعرف متى تتقدم، ومتى تتراجع، فلا تطغى على الصوت، ولا يطغى عليها، إنها هندسة موسيقية دقيقة تجعل المستمع يشعر بانسجام كامل دون أن ينتبه إلى تفاصيله التقنية

أما الدندنة، فهي واحدة من بصمات محمد الأمين الخاصة ، ففي كثير من المقاطع يترك الكلمات قليلًا، ويترك صوته يتحدث وحده ، علم الموسيقى يصف هذا بأنه انتقال من اللغة اللفظية إلى اللغة النغمية، حيث تصبح النغمة نفسها حاملة للمعنى ولهذا يشعر المستمع أحيانًا أن الدندنة أبلغ من الكلام

وتأتي الصولات الموسيقية لتؤكد أن الأغنية ليست مجرد غناء، وإنما عمل أوركسترالي متكامل، فالصولو هنا ليس استعراضًا لمهارة العازفين، بل استراحة شعورية تسمح للمستمع بأن يتأمل ما سمعه قبل أن يعود إليه الصوت من جديد
ومن الناحية الموسيقية، تتميز الأغنية باستخدام الانتقالات اللحنية السلسة بين الطبقات الصوتية، دون قفزات حادة، وهو ما يمنحها انسيابًا يجعلها سهلة التلقي، لكنها في الوقت نفسه شديدة الثراء لمن يدرسها موسيقيًا

أما صوت محمد الأمين، فهو قصة أخرى ، يصنف صوته ضمن الأصوات الدافئة ذات المساحة الواسعة، مع قدرة استثنائية على التحكم في النفس، وفي قوة النبرة، وفي درجات الصوت المختلفة.
ويستخدم ما يعرف بالتحكم في شدة الأداء، فلا يغني الجملة كلها بالقوة نفسها، وإنما يبدأها هامسًا، ثم يرفعها تدريجيًا، ثم يعيدها إلى الهدوء، تمامًا كما تتحرك أمواج البحر،كما يمتلك قدرة نادرة على استخدام (الفيبراتو) الطبيعي في نهاية الجمل الغنائية، وهو الاهتزاز الصوتي الخفيف الذي يمنح النغمة دفئها وحيويتها دون تكلف ، لذلك لم يكن غريبًا أن تتحول (رجع البلد) إلى واحدة من أكثر الأغنيات ارتباطًا بالوجدان السوداني

كل مغترب يسمعها يشعر بأنها كُتبت له.
وكل أم تنتظر ابنها تراها تحكي قصتها.
وكل عاشق للوطن يجد فيها شيئًا من نفسه.

إني من منصتي استمع حيث أقول : لقد كتب أبو آمنة حامد قصيدة من نور، وألبسها محمد الأمين لحنًا من وجدان، ثم منحها صوته الذي يشبه دفء البيوت السودانية في أمسيات الشتاء.
فخرجت أغنية تُحفظ في القلوب
وهكذا، كلما صدح محمد الأمين: (رجع البلد..) شعر السودانيون أن الوطن نفسه عاد ليطرق أبواب الذاكرة، ويقول لهم إن الجمال الحقيقي لا يشيخ، وإن الفن العظيم لا يعرف الغياب، وإن بعض الأغنيات لا تُغنى… بل تُورث للأجيال.

مقالات ذات صلة

إغلاق