Uncategorized
معركة كرري: هل كانت تخلصاً من حكم جائر أم ملحمة وطنية خالدة؟ بقلم / علاء الدين محمد ابكر

معركة كرري: هل كانت تخلصاً من حكم جائر أم ملحمة وطنية خالدة؟
بقلم / علاء الدين محمد ابكر
في فجر الثاني من سبتمبر من العام 1898، وعلى سهول كرري غرب أم درمان، وقف التاريخ لحظة صامتة. في تلك الساعات القليلة سالت دماء غزيرة، وسقطت دولة، وتغير وجه السودان لعقود قادمة.
كانت أكبر مجزرة بشرية عرفتها البشرية في ذلك الوقت. لم تكن معركة بالمعنى العسكري المتعارف عليه، بل كانت مواجهة بين عصرين. في جانب، جيش الأنصار التابع للدولة المهدية. جيش جرار قوامه ما يقارب الستين ألف مقاتل، قلوبهم عامرة بالإيمان، وصدورهم مفتوحة للموت، وسلاحهم الحراب والسيوف وبعض البنادق القديمة التي ورثوها من معارك سابقة.
وفي الجانب الآخر، جيش الإنجليز والمصريين وبعض السودانيين المتحالفين معهم. لم يتجاوز عددهم العشرة آلاف جندي، ولكنهم كانوا يمتلكون سلاح العصر: مدافع “المكسيم” التي تطلق الرصاص كالمطر، والمدفعية بعيدة المدى، والبوارج النيلية.
ولم تمضِ ساعة واحدة حتى انكسر ذلك الجيش الجرار. حصد الرصاص الحديث آلاف الأرواح في دقائق. تحولت سهول كرري إلى مقبرة مفتوحة. هكذا سقطت الدولة المهدية، وهكذا بدأ عهد جديد عرف بالحكم الثنائي.
لقد قدمت لنا المناهج المدرسية رواية واحدة للمعركة: أنها “ملحمة وطنية خالدة” ضد المستعمر البريطاني. ولكن التاريخ لا يعيش في صفحة واحدة من كتاب. التاريخ بحر عميق، وله قاع مليء بالخفايا التي لم تُكشف لنا كاملة.
ومن أخطر هذه الخفايا ما حدث داخل الدولة المهدية نفسها بعد استشهاد الإمام المهدي. تسلم الراية الخليفة عبد الله التعايشي. ورث دولة مترامية الأطراف، ممزقة، ومحاصرة. وكان يحتاج إلى سياسة حكيمة تجمع الشتات وتوحد القبائل.
ولكن ما حدث كان العكس. مال الخليفة إلى الحسم العسكري كوسيلة وحيدة للحكم. دخل في حروب متواصلة ودموية مع عدد كبير من القبائل والزعامات في كل أرجاء البلاد. دارفور اشتعلت، وكردفان تمردت، والشرق تمل، والشمال تذمر. سياسة “السيف والنار” هذه خلقت عداءً واسعاً داخل البيت السوداني نفسه.
نتيجة طبيعية لهذا الواقع أن تبحث القبائل المتضررة عن أي مخرج، وأي حليف. وهنا وجد الإنجليز والمصريون ضالتهم. منذ أن أعلنوا عن عزمهم غزو السودان في العام 1895، بدأت الاتصالات والمراسلات. لذلك لم يكن مستغرباً على الإطلاق أن نرى في صفوف الجيش الغازي عناصر سودانية تقاتل إلى جانب الإنجليز والمصريين في كرري. كانوا يرون في قدومهم “تحريراً” من حكم اعتبروه ظالماً ومستبداً، حتى لو كان الثمن هو الاستعمار.
معركة كرري إذن لم تأتِ من فراغ. كانت ختاماً لسلسلة طويلة من المعارك والصراعات بين الطرفين. ولكنها في جوهرها كانت “مجزرة” أكثر منها قتالاً. فالفارق التكنولوجي كان ساحقاً. لم يكن للشجاعة والبسالة أي قيمة أمام رشاش يطلق 500 طلقة في الدقيقة.
وبعد أكثر من 128 عاماً على تلك المعركة، يحق لنا أن نتوقف ونسأل: ما هو السبب الحقي لانهيار الدولة المهدية؟ هل كان السلاح الناري وحده؟
لو كان الأمر كذلك لما انتصرت إثيوبيا. ففي نفس ذلك القرن، وفي عام 1896، خاضت إثيوبيا معركة “عدوة” ضد الجيش الإيطالي. كانت أسلحة الإثيوبيين أقل تطوراً بكثير مما كان لدى المهدية، ولكنهم انتصروا انتصاراً ساحقاً. لماذا؟ لأنهم كانوا موحدين. لأن الروح الوطنية جمعتهم. لأنهم دخلوا المعركة وهم يد واحدة ضد عدو خارجي.
أما في كرري، فالعكس هو الذي حدث. دخل الأنصار المعركة وهم مهزومون نفسياً قبل أن تبدأ. مهزومون بسبب سياسات الداخل، وبسبب الحروب الأهلية، وبسبب الإحساس بالظلم والقهر. لذلك عندما سقطت الدولة، لم يبكِ عليها الجميع.
والدليل على ذلك هو مشهد لم يذكره لنا التاريخ المدرسي كثيراً. عقب هزيمة الأنصار واندحارهم، غمرت السعادة قلوب كثير من السودانيين في المدن والقرى. استقبلوا الجيش الغازي بالزغاريد في بعض المناطق.
لا ينبغي لنا اليوم أن نغضب من هذه الحقيقة أو نحاول إنكارها. هي مشاعر بشرية طبيعية لشعب عاش 13 عاماً تحت وطأة حكم اعتمد على القوة والقمع. بالنسبة لكثيرين حينها، كان الاستعمار الإنجليزي المصري “أهون الشرين”. كان على الأقل نظاماً يعد بالأمن وبالقانون وبالاستقرار، بعد سنوات من الفوضى والحروب الداخلية.
وهنا يكمن لب الخلاف التاريخي الذي لا يزال يؤرقنا حتى اليوم.
المدرسة الأولى تقول: كرري كانت ملحمة وطنية خالدة، ومقاومة بطولية ضد المستعمر الأجنبي.
والمدرسة الثانية تقول: كرري كانت معركة “تحرر” من نظام سياسي داخلي جائر، وسواء جاء المستعمر أو غيره فهو أرحم من واقع الخليفة عبدالله التعايشي.
أيهما على صواب؟ الحقيقة أن التاريخ لا يحتمل الأبيض والأسود فقط. ربما كانت كرري الاثنين معاً. كانت مقاومة وطنية شجاعة من جانب، وكانت أيضاً نتيجة لفشل سياسي داخلي من جانب آخر.
الشيء الوحيد الذي يجب أن نتفق عليه جميعاً، بغض النظر عن اختلافنا السياسي، هو احترام وتقدير شجاعة أولئك الرجال. أولئك الذين تقدموا نحو فوهات المدافع وهم يهتفون “الله أكبر”. لم يتراجعوا ولم يجبنوا. واجهوا الموت بكل كبرياء أمام آلة حربية لم يروا مثلها من قبل. هذه البطولة يجب أن تُدرس وتُحترم.
في الختام.. درس كرري يجب أن لا ننساه. الدرس يقول أن أي دولة، مهما كانت قوية، ستنهار من الداخل إذا لم تحقق العدل وتوحد أهلها. وأن العدو الخارجي لا ينجح إلا إذا وجد شقاقاً داخلياً يستغله.
السودان الذي نعيش فيه اليوم تكون وفق ظروف سياسية عالمية معقدة. ومهمتنا الآن ليست البكاء على الماضي ولا تمجيده بشكل أعمى. مهمتنا هي أن نحافظ على هذا الوطن بالاعتراف بتنوعه الاجتماعي والثقافي والسياسي والفكري، وأن نجعل من هذا التنوع مصدر قوة ووحدة، لا معول هدم وفرقة.
علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com

