Uncategorized
قبل السياسة.. السودان يحتاج عقداً اجتماعياً جديداً بقلم / علاء الدين محمد ابكر

قبل السياسة.. السودان يحتاج عقداً اجتماعياً جديداً
بقلم / علاء الدين محمد ابكر
ظل الصراع السياسي في السودان محتدماً حتى قبل الاستقلال، وبعده دخلنا في دوامة لا تنتهي: انقلاب عسكري تتبعه فترة مدنية، ثم انقلاب آخر. أكثر من سبعين عاماً ونحن ندور في الحلقة ذاتها. وازداد الطين بلة بانفصال جنوب السودان بعد خمسين عاماً من القتال، وهو انفصال كان يمكن تفاديه أو إدارته بشكل مختلف لو أننا واجهنا أسبابه منذ البداية.
ففي العام 1955 وقع تمرد جنود الفرقة الجنوبية، واكتفت الدولة حينها بتقرير لجنة تقصي حقائق لم تقدم رؤية لمستقبل الإقليم. وبعد عقود جاء الاستفتاء في 2011 فانفصل الجنوب رسمياً. هكذا نعالج قضايانا الكبرى، على طريقة “البصيرة أم حمد” التي نعرفها جميعاً: نؤجل ونرقع حتى يستفحل الداء.
اليوم لا أريد أن أتحدث عن السياسة. أريد أن نفتح ملفاً أهم وأخطر: الملف المجتمعي. السودان بلاد واسعة، تتعدد فيها القبائل والعادات والتقاليد واللهجات. وفي الماضي كانت هناك مؤسسات وأدوات تجعل من هذا التنوع نسيجاً واحداً. كانت فرق الفنون الشعبية تجوب البلاد، وكان راديو أم درمان يقدم كل جمعة “ربوع السودان” فيتعرف المستمع في الشمال على عادات أهل دارفور، ويعرف ابن الشرق كيف يحتفل أهل النيل الأزرق. وكان التلفزيون يقدم “صور شعبية” للراحل الطيب محمد الطيب فيرسم لنا خريطة الوطن بالصورة والصوت. أما اليوم فقد هجر الناس المذياع والتلفزيون، واستبدلوهما بالإنترنت الذي حبس كل واحد في فقاعته. فصار جيل اليوم لا يعرف مدن وقرى وعادات بقية السودان.
حتى المدرسة لم تعد كما كانت. أين “صديق عبد الرحيم في القولد .. محمد القرشي في ريرة .. سليمان في الجفيل .. محمد الفضل في بابنوسة .. منقو زمبيري في يامبيو .. حاج طاهر في محمد قول .. احمد في ود سلفاب .. ادريس في امدرمان .. وآخرهم عبد الحميد في عطبرة”.
لقد ذهب صديقنا “منقو” مع انفصال الجنوب، وأين قصة “مريم الشجاعة” التي أنقذت القطار؟ لقد ذهبت مع تدهور السكك الحديد. و قد كان القطار نفسه مدرسة وطنية. ينطلق من عطبرة ويمر بالخرطوم وسنار حيث يلتقي قطار الغرب القادم من الأبيض ونيالا وأويل مع قطار الشرق. في عرباته يجلس السودانيون من كل الجهات، يأكلون من زاد بعضهم ويحكون لبعضهم. والمدارس الداخلية صنعت جيلاً مثقفاً من كل بقاع السودان. والرياضة جمعتنا في الملاعب باسم نادٍ واحد. والخدمة المدنية كانت تنقل الموظف من بورتسودان إلى الأبيض إلى واو، فينجب أطفاله في مدن مختلفة فيصبح لكل أسرة انتماء لأكثر من مكان.
هكذا كان السودان. لم تكن الوحدة شعاراً، كانت ممارسة يومية. أما اليوم فقد تدهورت كل هذه الروابط فتحولنا إلى جزر معزولة. ولهذا أقول: قبل أن نبني الدولة علينا أن نبني الإنسان، وقبل السياسة نحتاج إلى عقد اجتماعي جديد نستلهمه من تجاربنا التي نجحت.
العقد الاجتماعي الجديد لا يعني اختراعاً من عدم. معناه أن نعود إلى ما كان يوحدنا ونطوره. فالحرب في الجنوب استمرت سنوات، لكنها لم تخلق ضغائن بين الناس. ظل أبناء الجنوب يعيشون في الخرطوم ومدن الشمال في سلام. وكذلك الحال في جبال النوبة والشرق والنيل الأزرق. الناس يمكنهم التعايش إذا توفرت لهم أرضية مشتركة.
هنا يأتي دور الإعلام الحكومي ليعود إلى وظيفته الأساسية: بث برامج تعرف الناس ببعضهم، وتدعو للوحدة الوطنية وتنبذ القبلية وتضع مصلحة الوطن فوق المصالح الضيقة. ودور وزارة التربية أن تعيد للمناهج مادة “السودان” بكل تفاصيله الجغرافية والثقافية والتاريخية. ودور الرياضة أن تعود جسراً بين الأقاليم. وقبل كل ذلك دور القانون. فالقانون هو رمانة الميزان. نحتاج قوانين صارمة تحفظ الحقوق وتحارب الجهوية والعرقية وتجعل المواطنة هي المعيار الوحيد.
قضايا المجتمع اليوم تحتاج إلى تشريح. لماذا ظهرت عصابات “التسعة طويلة”؟ ما الأسباب التي دفعت شباباً إلى الجريمة؟ لا يكفي القبض والعقاب، نحتاج دراسة وحلولاً ومعالجة اجتماعية واقتصادية. نحتاج أن يحصل كل سوداني على حقه في الطعام والعلاج والسكن والأمان والتعليم. ونحتاج أن نحي المشاريع التي كانت تربطنا: مثل السك الحديد التي تصل الشرق بالغرب، والنقل النهري، والخطوط البحرية ببواخرنا التي كانت تجلب الخير وتشغل أبناءنا.
مؤسف ومحزن أن نسمع اليوم أصواتاً تطالب بتقسيم البلاد والانفصال. هؤلاء مكانهم الطبيعي هو السجن، والصمت عليهم خيانة. فالحفاظ على الوطن واجب الدولة الأول قبل أي حديث عن ديمقراطية أو انتخابات.
بالعمل والأمل يمكننا أن نعيد للسودان سيرته الأولى. سودان لا يحكمه حزب ولا قبيلة، بل يحكمه عقد بين أبنائه: أن نعيش معاً، وأن نعرف بعضنا، وأن نؤمن أن مصيرنا واحد.
أحبك ملاذ.. وناسك عزاز
أحبك حقيقة.. وأحبك مجاز
وأحبك بتضحك.. وأحبك عبوس
بعزة جبالك.. تِرك الشموس
علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com




