Uncategorized
ماذا سيحكي عنا جيل سنة 2276؟ بقلم: علاء الدين محمد ابكر

ماذا سيحكي عنا جيل سنة 2276؟
بقلم: علاء الدين محمد ابكر
عندما جلس الإنسان الأول أمام النار ورسم على جدران الكهوف، لم يكن يعلم أنه يرسل رسالة إلى المستقبل. وعندما اخترع “غوتنبرغ” المطبعة، لم يتخيل أنها ستكون سبباً في نهضة أوروبا بعد قرون. هذا هو الفرق الجوهري بيننا وبين الغرب: النظرة إلى المستقبل. الغرب لا يعيش اللحظة فقط، بل يزرع لقرن قادم. يوثق، ويبتكر، ويضع في كبسولات زمنية ما يريد أن يتذكره أحفاده. ونحن كثيراً ما نعيش ردة الفعل، ونطفئ الحرائق، وننسى أن التاريخ يكتب كل يوم.
معظم الأدوات التي نستخدمها اليوم في حياتنا المعاصرة بدأت كجنون، ثم تحولت إلى بحوث، ثم إلى واقع نعيشه. تذكر مشهد “جيمس بوند” في ستينيات القرن الماضي وهو يرد على مكالمة من ساعة يده. ضحك الناس وقالوا “خيال”. واليوم أطفالنا يرتدون ساعات ذكية تحسب نبضات القلب وترد على الرسائل. التلغراف تحول إلى بريد إلكتروني، والبريد الورقي تحول إلى رسائل فورية، والهاتف الضخم ذو القرص الدوار أصبح “آيفون 17 برو ماكس” في جيبك. لكل اختراع أب مؤس، ولكل فكرة مجنونة عالم آمن بها رغم سخرية عصره. حتى لو لم يعش المخترع ليرى اختراعه، فهو يعلم أن هناك أجيالاً قادمة ستكمل الطريق. هذه هي الرسالة الحقيقية: أن تعمل لما بعدك.
في احتفالات الذكرى الـ 250 لتأسيس الولايات المتحدة، لم تكتفِ أمريكا بالخطابات والاحتفالات. بل وجهت رسالة مباشرة إلى البشر بعد 250 عاماً. خلال احتفالات 4 يوليو 2026 في فيلادلفيا، تم وضع هاتف “آيفون 17 برو ماكس” داخل الكبسولة الزمنية الوطنية “America250″، إلى جانب قطع أثرية تمثل الولايات والأقاليم الأمريكية. ومن المقرر ألا تُفتح الكبسولة إلا في 4 يوليو 2276، الذكرى الـ 500 لتأسيس أمريكا. بحلول ذلك الوقت ستكون بطارية الهاتف قد تحللت، والشاشة لن تعمل، والشبكات التي كان يعمل عليها قد اندثرت. لكن الجهاز نفسه سيكون قطعة متحفية. سيحمله إنسان في عام 2276 ويسأل: لماذا كان مليارات البشر في عام 2026 يحملون هذه الشاشة الزجاجية الصغيرة أينما ذهبوا؟ كيف كنا نعمل وندرس ونتسوق ونحب ونتصالح من خلالها؟ تتغير التكنولوجيا بسرعة، لكن توثيقها اليوم يعني أن جزءاً من حياتنا اليومية سيتحول إلى تاريخ يدرسه شخص آخر بعد قرون. هذه ليست كبسولة، هذه شهادة ميلاد لعصر كامل.
وهنا يأتي السؤال الذي يوجع: ماذا سنقول نحن للأجيال القادمة؟ إذا فتح جيل 2276 كبسولة زمنية كتب عليها “السودان 1956 – 2026” ماذا سيجد بداخلها؟ هل سيجد قمراً صناعياً أطلقناه؟ هل سيجد دواءً اكتشفناه؟ هل سيجد جامعة تخرج علماء غيروا وجه العالم؟ أم سيجد صور نزوح، وتقارير مجاعة، وأخبار حروب، ومدارس تحولت إلى ثكنات؟ ، ماذا قدمنا للبشرية؟ لقد أضعنا وقتاً ثميناً في صراعات كان يمكن أن نستثمرها في البناء. بينما كان العالم يسير بسرعة الصاروخ نحو المجد، كنا نعود إلى نقطة الصفر. فالدول التي اختارت طريق العلم، واحترام حقوق شعوبها، والاحتكام إلى القانون، سبقتنا بسنوات ضوئية.
إن الشعوب النامية ستظل تدور في نفس الدائرة ما دامت تضع العنف والقتل في المقدمة، على حساب التعليم والصحة والتنمية. نحن لا نحارب بعضنا فقط، نحن نحارب مستقبل أبنائنا. نحارب الفكرة التي ستولد بعد 50 عاماً. نحارب المخترع الذي لم يولد بعد. الدول التي تميزت فهمت قاعدة بسيطة: الاستقرار هو الوقود، والعلم هو الطريق، والإنسان هو الغاية. بدون هذه الثلاثة، كل شيء آخر ضجيج.
التاريخ لا يرحم. والمستقبل سيحكم علينا ببرودة ودقة. عندما يفتح أحفادنا أرشيف 2026، لن يسألوا من انتصر في أي معركة. سيسألون: ماذا بنيتم؟ ماذا اخترعتم؟ ماذا علمتم أبناءكم؟ فلنبدأ من اليوم. لنزرع شجرة علم، ولنبنِ مدرسة، ولنوثق إنجازاً، ولنضع في كبسولتنا ما يستحق أن يُفتح بعد 250 عاماً. حتى لا يكون كل ما سنتركه للأجيال هو السؤال: “ماذا حدث لهم؟” بل تكون الإجابة: “هؤلاء هم الذين بدأوا النهضة”.
لأن ما نزرعه اليوم، هو ما سيحكيه عنا الغد
علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com
.



