Uncategorized
قناة الخرطوم الدولية تعود بقوة بقلم/ علاء الدين محمد أبكر

قناة الخرطوم الدولية تعود بقوة
بقلم/ علاء الدين محمد أبكر
عادت قناة الخرطوم الدولية. عادت كما يعود النهر بعد الجفاف، وكما يعود الصوت بعد صمت طويل. يوم السبت 13 سبتمبر 2026، وقف الأستاذ خالد الإعيسر وزير الثقافة والإعلام والآثار والسياحة في مباني رئاسة القناة بأم درمان ليعلن التدشين الرسمي لعودة البث الفضائي. لم تكن لحظة عادية. كانت لحظة تقول للعالم: الخرطوم ما زالت هنا، وصوتها لم ينكسر.
بحضور الأستاذة سمية الهادي وكيل الوزارة، وقيادات الأجهزة الإعلامية والأمنية، وممثلي القنوات المحلية والأجنبية، بدت المناسبة أكبر من مجرد افتتاح. بدت كإعلان انتصار لمعنى من معاني الدولة. فالإعلام في أوقات الحرب والسلم هو ذاكرة الشعوب، وهو الذي يربط المغترب بوطنه، ويوصل صوت المواطن البسيط إلى دوائر القرار، ويوثق للتاريخ ما لا تكتبه التقارير الباردة.
وصف الوزير الإعيسر العودة بأنها “لحظة تاريخية”، وأصاب. لأن هذه القناة لم تكن مجرد تردد على قمر صناعي. كانت لسنوات طويلة النافذة التي يطل منها السودان على العالم، والمرآة التي يرى فيها السوداني نفسه. كان لها جمهورها، وكانت لها هيبتها. وعندما توقف البث، لم يتوقف الحنين إليها. اليوم عادت، وعادت ومعها مسؤولية مضاعفة.
المسؤولية مضاعفة لأننا نعيش مرحلة مفصلية. الوزير وصف الحرب التي شنتها الميليشيا المتمردة بأنها محاولة “مبرمجة لمحو ذاكرة الأمة وطمس هويتها”. وفي مواجهة محاولات الطمس، لا يوجد سلاح أبلغ من الكلمة والصورة. لا يوجد ما يرمم الوجدان الجمعي مثل إعلام وطني صادق، لا يزيف ولا يطبل، بل ينحاز للحقيقة وللإنسان.
وهنا يبرز دور القوات المسلحة والشرطة وجهاز المخابرات والقوات المساندة، الذين حياهم الوزير. هم من أمنوا الأرض حتى يعود البث. هم من قالوا للميليشيا كفى، فعاد شارع النيل بأم درمان، بمنشآته وشواهده التاريخية، يتنفس من جديد. قال الوزير كلمة مهمة: “ينتمي إلى أمة ذات تاريخ عريق لا يمكن أن تهزمها ميليشيا”. وهذه حقيقة. التاريخ لا يُمحى بالرصاص، والهوية لا تُدفن بالنهب.
ما يبعث على الأمل أن القائمين على القناة لا ينظرون إلى الوراء فقط. أعلن الأستاذ إبراهيم البزعي رئيس مجلس الإدارة عن خطة توسع حقيقية: توسع أفقي ورأسي، وإطلاق قناة ثقافية جديدة، واستعداد لتوصيل البث الأرضي للقنوات الولائية والمساهمة في تقوية البث الإذاعي. هذه ليست أحلاماً. هذه خطة عمل تقول إننا نريد إعلاماً يغطي كل السودان، ويخاطب كل أذواقه. قناة ثقافية تعني أننا نستعيد فنوننا وموسيقانا وأدبنا. دعم القنوات الولائية يعني أن صوت الجزيرة وشمال كردفان ودارفور والبحر الأحمر سيصل كما يصل صوت العاصمة.
كما أن كلمة الدكتور بدر الدين محمود المدير العام للقناة حملت تقديراً مستحقاً للعاملين. هؤلاء الذين واصلوا العمل عقب التحرير، الذين جاءوا إلى مبانٍ متضررة وبإمكانيات محدودة، لكنهم أبوا إلا أن يعيدوا الإشارة. هم الجنود المجهولون في معركة الكرامة الإعلامية. لهم التحية.
السؤال الآن: ماذا نريد من قناة الخرطوم الدولية في مرحلتها الجديدة؟
نريدها قناة قريبة من الناس. تناقش هموم التعليم والصحة والبطالة، وتفتح الباب للشباب المبدع. نريدها قناة توثق لما حدث حتى لا ننسى، وتحتفي بما سيحدث حتى نتفاءل. نريدها قناة لا تخاف من النقد البناء، ولا تكتفي بنقل البيانات، بل تصنع محتوى يليق بتاريخ السودان وبتنوعه.
عودة القناة تأتي ضمن رؤية أوسع أعلن عنها الوزير: إعادة تأهيل كل مؤسسات الوزارة بقطاعاتها الأربعة، وبناء شراكات مع الصحفيين والمبدعين. وهذا هو الطريق. الإعلام لا ينهض بالقرارات وحدها، ينهض بالعقول، وبالتمويل، وبالحرية المهنية المسؤولة.
نعم، الإمكانيات شحيحة. والخرطوم ما زالت تتعافى. لكن عودة الحياة لا تنتظر اكتمال كل شيء. تبدأ بخطوة، وها هي الخطوة الأولى. من قلب أم درمان، من شارع النيل، عادت الإشارة. وعادت معها رسالة: السودان عصي على الكسر.
مبروك للسودانيين داخل الوطن وخارجه. مبروك لكل من ظل يبحث عن تردد القناة كل يوم. هذه عودتكم، وهذا صوتكم. فلنجعل من هذه العودة بداية لمرحلة إعلامية جديدة عنوانها الوضوح والمهنية والانحياز الكامل لكرامة الإنسان السوداني.
علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com
.

