Uncategorized

عدتُ إلى مدني.. ولم أجد من الماضي سوى الجدران بقلم :امين محمد الجاك عامر -المحامي

عدتُ إلى مدني.. ولم أجد من الماضي سوى الجدران

بقلم :امين محمد الجاك عامر -المحامي

تحركتُ صوب بلدي يوم 19 سبتمبر 2026م بعد طول غياب، في رحلة سفر متقطعة عبر المطارات، بدأت من مطار الشارقة إلى جدة، على أمل أن أغادرها بعد توقف وانتظار لمدة أربع ساعات، متجهًا إلى الخرطوم عبر طيران تاركو. لكن الرحلة تأجلت إلى اليوم التالي، فكانت إقامتنا في صالة كبار الزوار، حيث البرودة الشديدة والوجبات المتوفرة، بينما لم تكن ملابسنا الخفيفة تقي أجسادنا من لسعات البرد، فلم نتمكن من النوم طوال تلك الليلة.

كان يرافقني في هذه الرحلة سوداني تعرفت عليه داخل الصالة، وكعادة السودانيين، لم يحتج الأمر إلى كثير من الوقت حتى نشأت بيننا الألفة، وتبادلنا أطراف الحديث، واكتشفنا أن له صلة أسرية بصديق وزميل دراسة يعمل في الإمارات، كان ضمن الذين جاءوا لوداعي بالدموع في اليوم السابق، وله عليَّ أفضال كثيرة خلال فترة إقامتي هناك.

وهكذا، قرّب التعارف المسافات بيننا، وقضينا ساعات الانتظار الطويلة في الأنس والمؤانسة، وكل منا يحمل في حقائبه بعض الهدايا والمشتريات للأهل والوطن.

وفي اليوم التالي، وصلنا الخرطوم، فإذا بالحرارة الشديدة على النقيض تمامًا من برودة الصالة التي قضينا فيها ليلتنا. وبين برد جدة وحر الخرطوم، أصابني التهاب أقعدني في العاصمة أسبوعًا كاملًا لتلقي العلاج، قبل أن نواصل رحلتنا إلى مدينتنا الحبيبة، مدني الخضراء. والعود أحمد!

لكن العودة التي انتظرناها طويلًا، بعد سنوات من الغياب والتشرد، كانت تخبئ لنا صدمة لم تخطر على البال.

فما إن دخلت منزلي حتى بدأت أتفقد أرجاءه، وأتأمل ما أصابه وما أصاب محتوياته خلال فترة احتلال المدينة. وهالتني مشاهد الدمار والنهب التي طالت مسكني، وأحزنتني كثيرًا، لكن أكثر ما أوجعني وأثقل قلبي هو أنني لم أجد أي أثر لمكتبتي، ولا لكتبي الثقافية والقانونية والدينية التي جمعتها على امتداد سنوات عمري.

أين ذهبت مكتبتي؟ وماذا حل بكتبي؟

لم تكن تلك الكتب مجرد أوراق مرصوصة على أرفف، ولم تكن مجرد مقتنيات يمكن تعويضها بالمال. لقد كانت جزءًا من عمري وذاكرتي وتكويني، ورفيقة رحلة طويلة من الدراسة والعمل والبحث والقراءة. أمضيت سنوات أجمعها كتابًا بعد كتاب، وأدخّرها لهذه الأيام من العمر، التي كنت أظن أنني سأجد فيها متسعًا من الوقت للعودة إليها والاستمتاع بصحبتها.

لكل كتاب في مكتبتي حكاية ورواية؛ فمنها كتب اشتريتها وأنا طالب، مقتطعًا ثمنها من مصروفي المحدود، ومنها كتب قطعت من أجل الحصول عليها مسافات طويلة سيرًا على الأقدام، ومنها ما أهداني إياه مؤلفوها، فكانت تحمل، إلى جانب قيمتها العلمية، ذكريات أصحابها ومواقفهم النبيلة.

وكانت بين تلك الكتب أمهات المراجع الثقافية والقانونية والدينية، وكتب قديمة معتّقة ذات قيمة خاصة، ورثت بعضها عن والدي، فكانت صلتها بالماضي أعمق من مجرد المعرفة التي تختزنها صفحاتها.

لهذا، لم يكن فقدانها شبيهًا بفقدان الأثاث أو الملابس أو سائر المنقولات التي طالها النهب. فهذه الأشياء، على قسوة فقدانها، قد يعوّضها الزمن، وقد تتاح فرصة لشرائها من جديد. أما مكتبتي، فقد كان لكل كتاب فيها مكانه في ذاكرتي، ولكل واحد منها قصة لا يعرفها سواي، وبعضها يحمل من تاريخ أسرتي ووالدي ما لا يمكن استعادته بمجرد شراء نسخة أخرى.

لقد نهبت الحرب منزلنا، ولم تترك لنا كثيرًا مما ألفناه وعشنا معه سنوات طويلة، لكن فقدان المكتبة كان أشد وقعًا في نفسي من كل ما فقدته من متاع الدنيا.

عدتُ إلى مدينتي بعد غياب طويل، أحمل الشوق إلى شوارعها وأهلها وبيتي وذكرياتي، وكنت أظن أن العودة ستردّ إليّ شيئًا من الماضي الذي انتزعته الحرب من حياتنا. فإذا بي أكتشف أن البيت الذي عدت إليه لم يعد هو البيت الذي غادرته، وأن جدرانه التي ما زالت قائمة لا تستطيع أن تعيد إليّ ما كان بين أركانه من حياة.

عدتُ إلى مدني، لكنني لم أجد من الماضي سوى الجدران؛ أما مكتبتي، وكتبي، وذكرياتي التي كانت تسكن بين صفحاتها، فلا أدري إلى أين مضت، ولا أيادي النهب والعبث التي امتدت إليها.

وحده الله يعلم مقدار ما فقدناه، وما تركته الحرب في نفوسنا من جراح لا تراها العيون.

مقالات ذات صلة

إغلاق