Uncategorized
إلى محمد منير.. يا جبل ما يهزك ريح بقلم: علاء الدين محمد أبكر

إلى محمد منير.. يا جبل ما يهزك ريح
بقلم: علاء الدين محمد أبكر
في حفله الأخير، وقف الكينج محمد منير على المسرح كما وقف طوال خمسين عاما، يغني للحب والحرية والإنسان. وفجأة صاح صوت نشاز من بين الجمهور: “عجزت يا منير”. جملة واحدة، لكنها كانت كالسكين. تداول الناس الفيديو ورأوا منير متأثرا، دامعا، يحاول أن يتماسك، يحاول أن يغني لكن قلبه سبق صوته. ولأول مرة يرى جمهور منير دموعه على المسرح، ليس لأنه عجز، بل لأنه شعر بالجحود.
وهنا يجب أن نتوقف، فالفنان قبل أن يكون نجما هو إنسان، له قلب وذكريات وتاريخ طويل من التعب والسهر والمرض. محمد منير ليس مطربا عاديا، هو حالة فنية استثنائية. هو من غنى “علموني عنيكي” فتعلمنا الحب، وغنى “الليلة يا سمرا” فتعلمنا الانتماء، وغنى “حدوتة مصرية” فبكينا على الوطن، وغنى “يا لالي” و”يونس” و”شمندورة” فصار صوت كل بيت عربي. منير لم يغنِ للتسلية فقط، غنى للفقراء وللذين لا صوت لهم، غنى ضد الظلم، وغنى للنيل الذي يربط أسوان بالخرطوم، لذلك أحبه السودانيون كما لم يحبوا فنانا مصريا من قبل.
يا منير، أنت أقوى من هذا الشخص الحاقد الذي أراد تحطيمك في لحظة. لو كان من جمهورك ومن محبيك لما قالها، فالمحب لا يجرح محبوبه أمام الناس. هذا شخص مندس يحمل أجندة، هدفه أن يحطم رمزا وأن يقول إن الزمن انتهى، لكن زمنك لا ينتهي. أنت عجزت؟ من الذي عجز؟ أنت الذي وقفت على المسرح وأنت مريض، وأنت تعاني في ركبتك وظهرك، وأصررت أن تغني لجمهورك احتراما لهم. هذا ليس عجزا، هذه هي البطولة بعينها. العجز أن يجلس شخص خلف هاتف ويكتب تعليقا جارحا، أما القوة فأن تقف أمام عشرة آلاف متفرج وتغني وأنت تتألم.
الفنان يظل فنانا طالما ينبض قلبه بالحب والحياة، وقلبك ما زال ينبض بكل الحب. أنت فنان شامل جمع الغناء والتمثيل باحترافية نادرة، من “اليوم السادس” ليوسف شاهين إلى “المصير” إلى “دنيا” إلى مسرحياتك وأغانيك التي لا تموت.
وأنا أكتب لك من السودان، وأقولها لك بصدق، أنت المطرب المصري الوحيد الذي إذا جاء إلى الخرطوم تتعطل شوارعها. لا أبالغ، الخرطوم كلها كانت تخرج لاستقبالك في المطار، وفي استاد الخرطوم ونادي الضباط، كان الناس يحفظون أغانيك أكثر من أغاني فنانيهم. لأنك منهم ولهم، ابن النيل، ابن أسوان التي هي توأم حلفا ودنقلا. صوتك قريب لوجداننا، ولهجتك قريبة من قلوبنا.
يا منير، الأجيال كلها تربت على صوتك، جيل السبعينات والثمانينات والتسعينات والألفينات وحتى جيل اليوم، كلهم يحبونك. أنت مطرب الأجيال الحقيقي، لأنك لم تغنِ لجيل واحد، بل غنيت لكل الأجيال. فلا تحزن يا كينج، ولا تلتفت لتلك الأصوات النشاز. استمر غنِ، فأنت قمر منير في سماء الغناء العربي، وستظل منيرا حتى وإن حاول البعض إطفاء نورك. تاريخك من ذهب، وتاريخك لا تمحوه جملة عابرة.
يا جبل ما يهزك ريح. نحن نحبك، وننتظرك، وندعو لك بالصحة وطول العمر.
علاء الدين محمد أبكر
alaam9770@gmail.com


