Uncategorized
مدني ليلًا.. نسمة النيل وأمل العودة بقلم :امين محمد الجاك عامر المحامي

مدني ليلًا.. نسمة النيل وأمل العودة
بقلم :امين محمد الجاك عامر المحامي
بالأمس، ولأول مرة منذ عودتي إلى ود مدني، خرجت من المنزل مساءً، ملتزمًا بجدول توزيع الكهرباء الذي حاولنا أن نكيّف حياتنا وحركتنا اليومية وفقًا له. غير أن الجدول لم يُنفَّذ كما هو معلن، وهو ما يعيد إلى الواجهة أهمية إخطار المواطنين مسبقًا بأي مستجدات تحول دون الالتزام به.
ومع تقديرنا للعاملين في قطاع الكهرباء، وإدراكنا للظروف الصعبة والمعقدة التي يعملون فيها، خاصة بعد ما تعرض له هذا القطاع الحيوي من دمار واسع، وهو ما شاهدت آثاره خلال رحلتي من الخرطوم إلى مدني، فإننا نأمل أن يصاحب الجهود المبذولة قدرٌ من الانتظام والوضوح في إعلان جداول الإمداد الكهربائي وتحديثاتها.
وقد استمعت خلال النهار إلى أخبار سارة عن الجهود الرامية إلى إعادة تشغيل المصانع بمنطقة مارنجان والمناطق الصناعية الأخرى. وهي خطوة تبعث على التفاؤل، إذ تمثل عودة الإنتاج مدخلًا مهمًا لتحريك النشاط الاقتصادي، ولا يمكن تحقيقها دون إمداد كهربائي مستقر، تحتاج إليه الصناعة والزراعة، كما تحتاج إليه الأسر في تفاصيل حياتها اليومية، من حفظ الطعام والأدوية إلى تخفيف الأعباء المعيشية.
كانت وجهتي في تلك الجولة شارع النيل، الذي يمتاز بنسمة هوائه العليل، حتى ليخيّل إليك أنك لن تجد مثلها في مكان آخر من الدنيا! وقد ذكّرتني أجواؤه بحكاية طريفة عن أحد الركاب، حين قال للكمساري: «الهواء ده ما هو دباغة؟!».
وجدت شارع النيل مضاءً، والأسر تصطحب أطفالها في يوم العطلة، تتنزه على الكورنيش، وتتجول بين محلات المشروبات والآيسكريم والمأكولات، من المشويات إلى الأسماك. كان المشهد مبهجًا، يعكس شوق الناس إلى الحياة الطبيعية، وإلى لحظات بسيطة من الراحة والأنس بعد ما مروا به من معاناة.
وأنا أتأمل ذلك المشهد، شعرت بأن ود مدني تستعيد شيئًا من عافيتها، وأن الحياة بدأت تدب في شوارعها من جديد. فعودة الأسر إلى التنزه، وامتلاء الأماكن العامة بالناس، واستعادة المدينة بعضًا من حيويتها، كلها مؤشرات تبعث على الأمل، وإن كانت الطريق لا تزال تتطلب الكثير من العمل.
إن ما تحتاج إليه مدني اليوم ليس مستحيلًا، وإن كان يتطلب جهدًا ومثابرة: كهرباء مستقرة، وشوارع نظيفة، وطرقًا مسفلتة، وخدمات أساسية تواكب تطلعات أهلها. فهذه ليست كماليات، بل مقومات ضرورية لاستقرار المواطنين، وانتعاش الأسواق، وعودة المصانع إلى العمل والإنتاج.
خرجت من جولتي المسائية بانطباع طيب؛ فقد رأيت مدني مضاءة، وأسرها تتنزه، وأطفالها يمرحون، وشعرت بأن المدينة تمضي، رغم كل ما أصابها، نحو استعادة حياتها.
ويبقى أملنا أن تمتد هذه المظاهر إلى سائر الأحياء والأسواق، وأن تتكامل عودة الحياة مع تحسن الخدمات وانتظامها.
تعود الحياة إلى مدني، وننتظر أن تواكبها الخدمات؛ فمدينتنا تستحق أن تستعيد عافيتها، وأن تعود كما نحبها: مدينة للحياة والجمال والعمل والإنتاج



