Uncategorized
من وفرة اللحمة الي مسكول اليوم حكاية بلد تتبدل أحواله بقلم: أمين محمد الجاك عامر المحامي

من وفرة اللحمة الي مسكول اليوم حكاية بلد تتبدل أحواله
بقلم: أمين محمد الجاك عامر المحامي
في الأيام الثلاثة الأولى لعودتي الطوعية إلى البلاد، التي بدأت ملامحها توحي بأن الحياة تستعيد عافيتها وأن مدني تمضي نحو الاستقرار وتودع ايام الحرب، قررت أن أذهب إلى السوق، وألقي التحية والسلام على بعض الناس، ثم أزور إخواني وأصدقائي من المحامين في المكاتب المجاورة لمكتبي.
وأثناء وجودي بمكتب الأستاذ المحامي (ق. م)، حضر الزميل الأستاذ (أ. ح) ليصطحبه إلى أداء واجب العزاء في شقيقة أحد الأصدقاء المشتركين، التي وافتها المنية خارج البلاد. فقررت أن أرافقهما لأداء واجب العزاء.
وعندما وصلنا إلى منزل العزاء، لم نجد صديقنا، وعلمنا أنه ذهب في مشوار إلى الزريبة القريبة من منزلهم لشراء خروف. وجدنا هناك عدداً من الأصدقاء، فتبادلنا السلام، وتناولنا الماء والشاي والقهوة، ثم حضر صاحب العزاء.
وبعد قراءة الفاتحة على روح الفقيدة وأداء واجب العزاء، قررنا العودة إلى منازلنا، فقد تأخر الوقت كثيراً. لكن صديقنا أصر على أن نبقى لتناول وجبة الغداء معهم، وأشار من بعيد قائلاً:
«الجزار قاعد يوضّب في الخروف، دقايق والغداء بيطلع!».
وبعد إلحاح منه، اعتذرنا عن البقاء ووعدناه بزيارته قريباً، ثم غادرنا.
وفي طريق عودتنا، وبينما كنا نتجول في السوق، قلت للزميل الأستاذ (أ. ح):
ـ ممكن تغشيني محل جزارة أشتري منه لحمة للوالدة؟
فرد عليّ بكل ترحاب:
ـ ممكن، بكل سرور.
وعندما أوقف السيارة بجوار الجزارة، وقبل أن أترجل منها، التفت إليّ محذراً:
ـ لكن اعمل حسابك، ما تتهور وتشتري ليك لحمة زي أيام زمان! الكهرباء هسع مجدولة ثماني ساعات، ومرات ممكن ما تجيك كم يوم. إذا عندك طاقة شمسية، ما في مشكلة، اشتري بمزاجك. أما هنا، فغالبية الناس بقوا يشتروا مسكول في اليوم؛ يعني نص الربع، لزوم حلة اليوم!
تسمرت في مكاني، ونظرت إليه مستغرباً، ثم قلت:
ـ أنا أعمل شنو؟ أدخل على ناس البيت بمسكول؟! دا كلام شنو؟
كان رأسي يدور بين عدة احتمالات وتصورات؛ فكيف لي، بعد سنوات الغياب والعودة إلى الأهل والديار، أن أحمل إلى الوالدة مسكول لحمة، وأنا الذي اعتدت في أيام الرخاء أن أشتري ما يكفي البيت لأيام، وربما لأسبوع كامل؟
لكنني، بعد أن استوعبت نصيحة صديقي، توكلت على الله وقررت أن أساير الظروف. دخلت الجزارة واشتريت نصف أُكل وربع كيلو من اللحمة المفرومة، حتى تكون الكمية مقبولة ولا تثير كثيراً من التساؤلات!
وعندما وصلت إلى منزل الوالدة وقدمت لها اللحمة، استقبلتني بابتسامتها المعهودة، وقالت:
«كتر خيرك يا ولدي، لكن نودي ليك اللحمة وين؟ هديك التلاجة بقت صفيحة! أصلاً نحن بنشتري لحمة اليوم باليوم».
عندها أدركت أنني لم أكن وحدي الذي يحتاج إلى التكيف مع متغيرات الحياة في مدني؛ حتى أهل البيت أعادوا ترتيب حياتهم وفقاً للواقع الجديد، وأصبح شراء اللحمة باليوم هو الخيار الطبيعي، لا بسبب غلاء الأسعار وحده، وإنما أيضاً بسبب انقطاع الكهرباء وعدم القدرة على حفظها في الثلاجات.
وهنا، انفتح شريط الذكريات!
عاد بي الزمن إلى بداية التسعينيات، أيام زواجي الأولى، حين شهدت البلاد شحاً في اللحوم وارتفاعاً في أسعارها، وأصبحت بعض السلع الأساسية تُوزع عبر نظام التموين، في محاولة لمواجهة التضخم وارتفاع الأسعار والندرة التي أثقلت كاهل الأسر، لا سيما محدودة الدخل، في ظل سياسات التحرير الاقتصادي.
كانت تلك أياماً صعبة، تضافرت فيها جهود أفراد الأسرة والأهل لتوفير احتياجات مناسبة زواجي ، من اللحوم التي تُجهز للمناسبات، وفي مقدمتها لحمة الشرموط، التي كانت من اهم وجبات فطور العريس
ارتفعت الأسعار، وقلّت اللحوم، واختفت البهائم من الأسواق في فترات كثيرة، واضطر الناس إلى البحث عن البدائل، فعرفنا المجوك والقشاش، وشرعنا في ذبح العِتّان والعبور في زمن كانت فيه الأسرة تحسب حساب كل قطعة لحم، وتدبر أمرها بما تيسر.
كانت أياماً قاسية، لكنها، مع مرور الوقت، بدأت تنفرج تدريجياً، وتحسنت الأحوال، وعادت اللحوم إلى الأسواق بكميات وفيرة، حتى أصبحنا نراها متاحة في كل مكان، وانتشرت محلات الجزارة في مختلف أنحاء البلاد.
وعرفنا أسماءً صارت مألوفة في عالم اللحوم، مثل قندهار، وأولاد أم درمان، وآدم شية، والدنقلاوي، وغيرها من المحلات التي ارتبطت بذاكرة الناس وأسواقهم.
وبعد سنوات الشدة، أصبح شراء اللحم أمراً عادياً لا يحتاج إلى حسابات معقدة. بل كنا، في مواسم الحج، نذهب الي العائدين من الأراضي المقدسة ونحن نرفع عدة خراف في السيارة ، استعداداً لإهدائها للحجاج ليقوم بتوزيعات كرامات على الأهل والأصدقاء والجيران، احتفاءً بعودتهم سالمين.
وما زلت أذكر آخر أضحية أعددتها؛ فقد ذبحت خروفين، أحدهما اشتريته بنفسي، والآخر أحضره صديقي من وسط مراحة في الدمازين.
خروفان كاملان، لم يكن التفكير يومها في كيفية حفظ اللحوم أو في عدد الساعات التي ستأتي فيها الكهرباء، ولم يكن أحد منا يتصور أن يأتي يوم تصبح فيه هذه التفاصيل البسيطة من شؤون الحياة اليومية ضرباً من الترف الذي تحكمه جداول الكهرباء وقدرة الناس على توفير الطاقة الشمسية.
بل إننا، في عامنا الأخير قبل الحرب، ربما أسرفنا في النعمة دون أن نشعر. أذكر كيف كنا نلقي جلود الأضاحي في الطرقات وأماكن النفايات، غير مدركين أن ما نراه يومها فائضاً لا قيمة له قد يصبح، في يوم من الأيام، شاهداً على زمن من الوفرة نفتقده ونستعيد ذكراه بحسرة.
يا سبحان الله!
كيف تتبدل الأحوال، وكيف ينتقل الإنسان من زمن الوفرة إلى زمن الندرة، ومن شراء خروفين للضحية إلى التفكير في كيفية حفظ ربع كيلو من اللحمة!
لكن الحياة لا تتوقف، والناس يتدبرون أمورهم، ويتكيفون مع الظروف، ويبحثون عن وسائل لاستعادة ما فقدوه. ونحن، بعد عودتنا إلى مدني، نأمل أن تعود الكهرباء مستقرة، وأن تستعيد الأسواق عافيتها، وأن تنعم البيوت بالأمان والوفرة، وأن تصبح هذه الحكايات مجرد ذكريات نرويها للأبناء والأحفاد.
وحتى ذلك الحين، سنظل نردد اغنية:
«دوري دوري
يا أيام يا أشواق عدّينا
نحن الليلة للحبان
من سفرا بعيد جينا».
عدنا إلى الوطن، لكننا نكتشف كل يوم أن للعودة تفاصيل لم نكن نتوقعها، وأن استعادة الحياة لا تعني مجرد الرجوع إلى البيوت والشوارع، بل تحتاج إلى أن تعود معها الخدمات، وتستقر الأحوال، وتسترد البيوت قدرتها على استقبال أهلها كما كانت من قبل.
يا مدني، يا وطن القماري، نسأل الله أن تعود إليك أيام الوفرة والعافية، وأن تدور الأيام نحو الأفضل، حتى نشتري اللحمة بلا حساب، ونحفظها في الثلاجات بلا خوف من انقطاع الكهرباء، ونستعيد بساطة الحياة التي كنا نظنها أمراً عادياً، فإذا بها نعمة لا يعرف قدرها إلا من فقدها.




