Uncategorized

خارج الصندوق الثورة البيضاء في الطريق فيصل الزبير

خارج الصندوق
الثورة البيضاء في الطريق
فيصل الزبير

منذ الأزل وكل الشواهد توضح إن الإنسان يقاوم و يقف ضد أي فكرة جديدة مهما تكن ولكل ابتكار علمي أو منهج جديد.

فيبدو أنها غريزة فطرية موجودة في جينات البشر.. فعندما تتدبر القرآن الكريم أو تتبع السيرة النبوية الشريفة نجد أن كل الأنبياء والرسل تعرضوا للظلم وللمقاومة من بني جلدتهم ومن أقوامهم والأقربين لمجرد أنهم بشروا برسالتهم التي بعثهم بها الحق عز وجل. ومن هنا جاءت المقولة لا كرامة لنبي بين أهله وزمار الحي لا يطرب مزماره.

فسيدنا محمد ص سيد الأولين والآخرين وهو خاتم المرسلين تعرض للأذى الجسيم والتنكيل من أشرار قريش بمجرد أن أعلن عن أنه رسول الله والهادي والسراج المنير.

وما حدث له من غلمان الطائف يدمي القلوب وأخيراً غادر مكة مسقط رأسه أحب مكان إليه مهاجراً ليثرب دون رضاه. وقس على ذلك بقية الأنبياء والرسل. حتى جسم الإنسان نفسه أحياناً يرفض أعضاءه فتحدث مقاومة ذاتية قاتلة.

ومن معجزات الخلق أنه عند الحمل يفرز الجنين عند انغراسه في بطانة رحم امه بروتينات مثبطة للجهاز المناعي للأم حتى لا ترفض الجنين باعتبار أن هناك جزءاً غريباً من الأب.

وكذلك عند نقل الأعضاء من شخص سليم لشخص مريض تتم أولاً عملية المطابقة للأنسجة قبل النقل وقبل الزراعة مع إعطاء أدوية طوال العمر لتثبيط الجهاز المناعي حتى لا يتم رفض العضو المنقول إليه لاحقاً.

وهناك كثير من الشواهد والأدلة والبراهين لرفض ومقاومة كل منهج جديد أو ابتكار حديث مهما بلغت درجته من الأهمية.

فمثلاً رفض رجال الدين الإسلامي والدين المسيحي وبرلمانات العديد من الدول المتحضرة فكرة تقنية الاستنساخ كتقنية حيوية مبتكرة في بداية الأمر.

وثار الإعلام وهب هبة مضطربة ضد فكرة الاستنساخ باعتبار أنه تدخل في الشأن الإلهي والخلق وتعرض صاحب التجربة ويلموت وفريقه للنقد الإعلامي الحاد عندما فجر قنبلة الاستنساخ في عام ١٩٩٥ في معهد الأبحاث في إدنبرة.

ولكن بعد أن هدأت العاصفة الإعلامية ضد الاستنساخ وجد ويلموت وفريق عمله فرصة لتوضيح محاسن الاستنساخ للبشرية من توفير الأعضاء لتُنقل لأصحاب الأمراض المزمنة وأهميته في التحسين الوراثي وتكاثر أعداد الحيوانات القابلة للانقراض ومساهمة الاستنساخ مستقبلاً في الأمن الغذائي العالمي

تغيرت النظرة وتبدل الحال وواصل الفريق أبحاثه في مجال الاستنساخ للفوائد التي توفرها هذه التقنية للبشرية. ففي مجال التحسين الوراثي أيضاً في السودان عندما تم إدخال خدمات التلقيح الاصطناعي للتحسين الوراثي لسلالات أبقار ألالبلن قبل خمسة عقود (1976)وجدت أيضاً الفكرة عدم القبول في بداية الأمر من المربين التقليديين وعدم تبني الفكرة وتم إطلاق جنّي الحقنة على المواليد من باب السخرية والتهكم وعدم الرغبة في التهجين لأبقارهـم المحلية.

ولكن بمرور الزمن تأكد لهم أهمية التحسين الوراثي عبر التهجين لسلالاتهم بتقنية التلقيح الاصطناعي الذي أدى لتحسن نسبي للأداء التناسلي والإنتاجي للهجين وزادت الأرباح. فتبنى لاحقاً المربون الفكرة وتوسعت وانتشرت بشكل واسع.

الآن جاءت فكرة نقل الأجنة للتحسين الوراثي بالسودان لتخسين سلالان ابقار اللبن و اللحم ليس كبديل للتلقيح الاصطناعي بل تعمل معه بشكل موازٍ ولكل محاسنه.

وأتوقع أن تجد تجربة نقل الأجنة أيضاً مقاومة وحملة وتشكيكاً في جدواها وأهميتها وعدم قبول الفكرة بأسباب قد تكون متعدّدة ولكن بمرور الشهور والسنوات ومع التجريب المستمر المصحوب بإرادة وعزيمة ووعي المربين مع جرعات إرشادية بيطرية إعلامية بالتبشير بأهمية تقنية نقل الأجنة ومحاسنها ودورها في امكانية احداث النقلة النوعية المتوقعة للتحسين الوراثي لسلالات الألبان واللحوم اتوقع ان تجد تقنية نقل الأجنة القبول والانتشار الواسع والتبني من قبل المربين عبر جمعياتهم وروابطهم.

كما قد تجد فكرة استيراد سلالة ابقار الجيرولاندو البرازيلية الأصل مثلاً وهي الآن من أشهر السلالات العالمية ثنائية الغرض والتي أثبتت تفوقها وجدواها الاقتصادية ومقدرتها الفائقه على التأقلم مع الأداء التناسلي والإنتاجي المثالي. حيث حققت هذه السلاله نجاحا باهرا علي المستوي الاقليمي حيث تُربى الآن في بعض الدول الأفريقية المجاورة للسودان لما تتمتع به هذه السلالة من تحمل الأجواء الاستوائية والتأقلم عليها ومقاومتها لأمراض الدم المنقولة الطفيليات و كفاءتها التحويليه العاليه للغذاء وهي تحتاج لنظام إدارة مثالي في نظام تربية شبه مغلق بالإيواء المثالي والتغذية المثالية وكذلك الرعاية البيطريه.
فالتجربة هي خير دليل وخير برهان ولا يمكن أن نحكم على سلالة الجيرولاندو وكفاءتها التناسلية والإنتاجية قبل أن نخضعها للتجربة في السودان بعد النجاح الذي حققته في نيجيريا وبوتسوانا وجنوب أفريقيا والنيجر ولو عبر قطيع صغير على أن يتم التقييم العلمي للأداء التناسلي والإنتاجي ومن ثم اتخاذ القرار لها أو عليها.

أما تقنية نقل الأجنة كتقنية مهمة وسريعة للتحسين الوراثي لا غبار عليها فقط تحتاج لبنية تحتية مثالية من توفر الكوادر البيطرية المدربة والكوادر الوسيطة المساعدة . و اوصي بإنشاء مركز قومي لتقنيات التناسل الحيويه من ضمن أهدافه التخطيط الاستراتيجي للتحسين الوراثي مع التدريب المستمر للاطباء البيطريين و الكوادر الوسيطه المساعده مع بناء قاعدة بيانات عبر الربط الرقمي للمربين بهذا المركز للدعم و للمتابعة والتقييم العلمي المستمر لضمان نجاح التجربة وكذلك توفير الدعم اللوجستي بإنشاء بنك للأجنة المجنسة مع التوفير المستمر للنتروجين السائل وتوفير هرمونات التناسل التي تستخدم مع تقنية نقل الأجنة لتجهيز الأمهات الحاضنة أو المستقبلة.

ففكرة استيراد أبقار أو عجلات بحمل متقدم من دولة البرازيل مثلاً فكره غير عمليه و ليس منطقيه لارتفاع تكلفة الترحيل و التامين مع وجود مخاطر النفوق والإجهاض.

وكذلك يمكن تطبيق نفس الفكرة للتحسين الوراثي عبر سلالات الجيرسي لإنتاج الألبان وكذلك التحسين الوراثي لسلالات إنتاج اللحوم عبر النيلور البرازيليه. فالتحسين الوراثي لسلالات الماشية هي عملية مستمرة تحتاج لزمن وتحتاج لأموال وتحتاج للصبر وكذلك للتقييم العلمي الدقيق.

وكذلك لا ننسى دور المربين و اهميتهم للقيام بالمتابعة الحقلية اللصيقة فهم أصحاب المصلحة الحقيقية ومن يقع على عاتقهم ومسؤوليتهم المباشرة نجاح الفكرة أو فشلها.
فقط نحتاج للاراده ثم الاراده و العزيمه و الهمة لتبني هذه الافكار.

مقالات ذات صلة

إغلاق