Uncategorized

بني شنقول.. أرض سودانية ضيعها الاستعمار بقلم: علاء الدين محمد ابكر

بني شنقول.. أرض سودانية ضيعها الاستعمار

بقلم: علاء الدين محمد ابكر

تعتبر قضية بني شنقول واحدة من أكثر القضايا المنسية في تاريخ السودان الحديث، وواحدة من أكبر الخسائر الجغرافية والاستراتيجية التي تعرض لها هذا الوطن بفعل فاعل استعماري، ثم بفعل إهمال وطني متراكم. فهذه المنطقة التي تقع اليوم داخل الخارطة الإثيوبية لم تكن يوما حبشية، لا في دماء أهلها ولا في لسانهم ولا في دينهم ولا في تاريخهم.

إن المتتبع لتاريخ المنطقة يجد أن بني شنقول كانت جزءا لا يتجزأ من مملكة الفونج الإسلامية، تلك المملكة التي كانت عاصمتها سنار وامتد نفوذها من الشلال الثالث شمالا حتى جبال الحبشة شرقا. وقد كانت بني شنقول هي الدرع الشرقي للمملكة ومصدر ثروتها، فهي أرض الذهب الخالص، الذهب الذي كان يغذي خزائن سلاطين الفونج، وكان يسمى قديما ببلاد التبر.

وسكان بني شنقول الأصليون هم قبائل البرتا والكوما والوطاويط والجمجم والفافا وغيرها، وهي نفس القبائل التي تسكن اليوم في إقليم النيل الأزرق في الدمازين والروصيرص وقيسان، يتحدثون نفس اللغات، ويدينون بالإسلام بنسبة تقارب المائة بالمائة، ويرتبطون بعلاقات مصاهرة ودم ونسب مع قبائل السودان، ولا توجد أي صلة لهم بالعنصر الأمهري أو التقراوي الحاكم في إثيوبيا، لا من قريب ولا من بعيد. بل إن الإثيوبيين أنفسهم كانوا ينظرون إليهم كعبيد ويطلقون عليهم تاريخيا لفظ الشنقولا بمعنى العبيد السود.

وكانت المنطقة تتمتع بحكم ذاتي تحت سلاطين محليين يدينون بالولاء لسلطان سنار، وظلت كذلك حتى سقوط مملكة الفونج وقيام الحكم التركي المصري ثم المهدية، التي ظلت بني شنقول في عهدها تحت السيادة السودانية.

لم تكن إثيوبيا في نهاية القرن التاسع عشر دولة قوية بالمعنى الحديث، بل كانت إمبراطورية تتوسع بدعم أوروبي مباشر. فمنذ وصول البرتغاليين إلى سواحل البحر الأحمر وهم يمدون ملوك الحبشة بالسلاح الناري الحديث، ثم جاء من بعدهم الفرنسيون والبريطانيون الذين وجدوا في منليك الثاني أداة لوقف المد المهدي الإسلامي القادم من السودان.

وفي هذا السياق جاءت اتفاقية أديس أبابا في 15 مايو 1902، والتي وقعها الجانب البريطاني نيابة عن مصر والسودان، وكان السودان حينها تحت الحكم الثنائي الإنجليزي المصري، ووقعها من الجانب الإثيوبي الإمبراطور منليك الثاني.

كانت الاتفاقية في ظاهرها اتفاقية لترسيم الحدود، لكنها في باطنها كانت صفقة استعمارية قذرة. فبموجب المادتين الأولى والثانية، اقتطعت بريطانيا إقليم بني شنقول بمساحته التي تزيد عن 50 ألف كيلومتر مربع، بكل ما فيه من ذهب وأرض خصبة ونيل أزرق، ومنحته لإثيوبيا بلا أي مقابل للسودان، سوى وهم الاستقرار الحدودي.

لكن بريطانيا وضعت سما في العسل، حيث وضعت المادة الثالثة التي تعتبر أهم مادة في الاتفاقية، والتي تنص على تعهد الإمبراطور منليك الثاني بعدم إقامة أو السماح بإقامة أي منشأة أو سد على النيل الأزرق أو بحيرة تانا أو نهر السوباط من شأنه أن يعيق جريان المياه إلى النيل، إلا بعد الحصول على موافقة مسبقة من الحكومة البريطانية وحكومة السودان. وكانت بريطانيا تدرك تماما أهمية النيل لمصر والسودان، فأرادت أن تضمن تدفق المياه حتى وهي تمنح الأرض. وفي المقابل منح منليك الثاني منطقة قمبيلا للسودان لتدار إداريا من الخرطوم كنوع من التوازن الشكلي.

بعد استقلال السودان في أول يناير 1956، ارتكبت الحكومة الوطنية المستقلة خطأ استراتيجيا فادحا لا يغتفر، حيث قامت بإرجاع إقليم قمبيلا الغني بالنفط والغاز اليوم إلى إثيوبيا في عام 1957 بدعوى حسن الجوار وتطبيق بنود اتفاقية 1902، بينما لم تطالب إثيوبيا بالمقابل بإرجاع بني شنقول، ولم يفتح أحد هذا الملف. فخسر السودان المنطقتين معا، خسر قمبيلا التي أرجعها بيده، وخسر بني شنقول التي كانت قد انتزعت منه عنوة.

ومنذ ذلك التاريخ بدأت إثيوبيا سياسة ممنهجة لتغيير هوية بني شنقول، ففرضت اللغة الأمهرية في المدارس والدواوين الحكومية، ومنعت تدريس اللغة العربية، وشجعت هجرة الآلاف من الأمهرة والتقراي للاستيطان في الإقليم والسيطرة على أراضي الذهب، ومارست اضطهادا دينيا وعرقيا ضد السكان الأصليين المسلمين، مما دفع الكثير منهم للنزوح إلى داخل السودان كلاجئين في النيل الأزرق، وما زالوا هناك إلى اليوم.

ظلت اتفاقية 1902 هي السلاح القانوني الوحيد بيد السودان ومصر لمنع إثيوبيا من بناء أي سد على النيل الأزرق. وكانت إثيوبيا طوال أكثر من قرن لا تستطيع أن تضع حجرا واحدا في النيل الأزرق خوفا من هذه الاتفاقية. حتى جاءت الطامة الكبرى في 23 مارس 2015، عندما وقع كل من الرئيس المصري والرئيس السوداني ورئيس الوزراء الإثيوبي على ما سمي بإعلان المبادئ حول سد النهضة، هذا السد الذي شيد تحديدا في قلب إقليم بني شنقول على بعد 20 كيلومترا فقط من الحدود السودانية.

هذا الإعلان وإن كان قد بدا في ظاهره اتفاقا لحسن النوايا، إلا أنه في حقيقته القانونية كان إعلان وفاة لاتفاقية 1902. فبموجب هذا الإعلان اعترفت مصر والسودان ضمنيا بحق إثيوبيا في بناء السد، وتخلت إثيوبيا طوعيا عن التزامها التاريخي بعدم البناء إلا بموافقة دولتي المصب. ومنذ ذلك التوقيع انطلقت إثيوبيا بلا أي قيد قانوني في إكمال السد وملئه وتشغيله دون الرجوع لأحد.

ولو كنت مكان صانع القرار السوداني لقلبت الطاولة القانونية كلها، ولطالبت بحقوق سيادية كاملة في سد النهضة نفسه. فالمنطق القانوني يقول إن من خرق اتفاقية 1902 ببناء سد دون موافقة السودان، فقد أسقط عن نفسه الحق الممنوح له في المادة الأولى والثانية وهو السيادة على بني شنقول. فإما الالتزام بالاتفاقية كاملة، وإما بطلانها كاملة وعودة الأرض إلى صاحبها الأصلي. وبالتالي فإن السد مقام على أرض سودانية محتلة، ومن حق السودان أن يكون شريكا أصيلا في ملكيته وإدارته وكهربائه.

إن إثيوبيا الحالية ليست دولة طبيعية بالمعنى التاريخي، بل هي إمبراطورية صنعها الاستعمار الأوروبي على حساب جيرانها. فبريطانيا وفرنسا وإيطاليا سلحت الأحباش لاستقطاع أراضي جيرانهم المسلمين، فاقتطعت إقليم الأوجادين من الصومال وضمته بالقوة، واقتطعت بني شنقول من السودان، ومنحتها الأمم المتحدة إريتريا عام 1952 كفيدرالية قبل أن تنفصل عنها بثورة مسلحة استمرت 30 عاما. إنها نفس العقلية الاستعمارية التي قسمت كشمير بين الهند وباكستان، وزرعت باكاسي بين نيجيريا والكاميرون، وزرعت حلايب بين مصر والسودان، لتظل هذه البؤر مشتعلة إلى يومنا هذا.

واليوم ورغم مرور أكثر من 120 عاما على احتلال بني شنقول، ما زال سكانها الأصليون يحملون السلاح في جبهة تحرير بني شنقول، وما زالوا يرفعون علم السودان القديم ويهتفون بأنهم سودانيون، وما زالوا يحلمون بالعودة إلى حضن الوطن الأم، وما زال الإسلام فيها هو الدين الغالب رغم كل محاولات التنصير.

إن قضية بني شنقول يجب ألا تموت، ويجب أن تدرس لأبنائنا في المدارس كأرض سودانية محتلة، وأن تظل حية في وجداننا السياسي والقانوني، فالحقوق لا تسقط بالتقادم، وما ضاع حق وراءه مطالب.

علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com

مقالات ذات صلة

إغلاق