Uncategorized
الإعيسر ودبلوماسية الإعلام الوطني بقلم: علاء الدين محمد أبكر

الإعيسر ودبلوماسية الإعلام الوطني
بقلم: علاء الدين محمد أبكر
من حسن طالع السودان، ومن تدابير القدر في خضم هذه المرحلة المفصلية من تاريخه، أن تولى حقيبة الإعلام في ظرف حساس يتطلب أعلى درجات اليقظة والحكمة، رجل بقامة الأستاذ خالد الإعيسر.
نقول ذلك ليس من باب المجاملة العابرة، بل من باب قراءة موضوعية لأداء الرجل الذي أثبت أن الوزارة التي يقودها ليست مجرد وزارة خدمية، بل هي وزارة سيادية بامتياز، تقف في خط الدفاع الأول عن السودان وصورته وروايته أمام عالم يموج بالتضليل والاستهداف الممنهج.
إن المتابع لمسيرة الأستاذ الإعيسر يدرك أنه ليس وزيرا عابرا، بل هو ابن المهنة، صحفي محترف وإعلامي خبير عركته التجارب في دهاليز الإعلام الدولي، ففهم مبكرا أن الحرب الحديثة لم تعد تدار بالبندقية وحدها، بل تدار بالكلمة والصورة والرواية. ومن هنا جاء مفهومه الذي نطلق عليه اليوم دبلوماسية الإعلام الوطني، ونعني بها تحويل الإعلام من أداة نقل للأخبار إلى أداة لصناعة الموقف الوطني، وتحويل المنابر الثقافية إلى منصات دبلوماسية تخدم المصالح العليا للدولة. وهذا بالضبط ما فعله الإعيسر في باكو.
ففي المنتدى الدولي السابع لحوار الثقافات المنعقد في العاصمة الأذربيجانية باكو تحت شعار الحوار من أجل مستقبل مشترك وبناء الجسور في عالم تسوده الانقسامات، لم يذهب وزيرنا ليلقي كلمة بروتوكولية ويعود، بل ذهب وهو يحمل ثلاث رسائل استراتيجية.
الرسالة الأولى كانت سياسية ودبلوماسية، حين التقى الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف ونقل إليه تحيات رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان. هذه اللفتة ليست مجرد مجاملة، بل هي تأكيد على أن السودان رغم جراح الحرب لا يزال دولة حاضرة لها رئيسها ومؤسساتها وعلاقاتها الدولية التي تدار على أعلى مستوى.
أما الرسالة الثانية فكانت حضارية وثقافية، حين وقف أمام وزراء ثقافة العالم ولم يتحدث عن الحرب بلغة البندقية، بل تحدث بلغة الحضارة. ذكر العالم بأن السودان ليس ساحة حرب كما يريدون تصويره، بل هو مهد حضارات وملتقى نيلين وتنوع ثقافي فريد يمتد من البجا في الشرق إلى الفور في الغرب ومن النوبة في الشمال إلى جنوبه. هذا الطرح الذكي يعيد تعريف السودان في الوعي الدولي من دولة فاشلة إلى دولة حضارية تستحق الدعم والحفاظ عليها.
والرسالة الثالثة كانت وطنية وإنسانية، حين أكد أن حماية التراث السوداني المادي وغير المادي ودعم الفنون والإبداع هو جزء من معركة الكرامة. فالمليشيا المتمردة لم تحرق المتحف القومي وتدمر دار الوثائق عبثا، بل كانت تستهدف ذاكرة الأمة، وبالتالي فإن الدفاع عن الثقافة هو دفاع عن الوجود نفسه.
وهنا تكمن عبقرية الإعيسر، لقد أدرك أن وزارة الخارجية وحدها لا تستطيع أن تخوض معركة السودان الدبلوماسية. فالعالم اليوم لا يصغي للبيانات الرسمية الجافة، بل يصغي للرواية الإنسانية للقوة الناعمة. والإعلام هو رأس الرمح في معركة الكرامة، هو الذي يواجه آلة التضليل الضخمة التي تديرها غرف إعلامية معادية بأموال ضخمة تريد أن تفرض رواية واحدة بأن ما يحدث في السودان هو صراع بين جنرالين.
وجاء الإعيسر ليقول للعالم لا، ما يحدث في السودان هو معركة بين مشروع دولة وطنية موحدة ومشروع فوضى ومرتزقة يريد تفكيك السودان وتدمير حضارته.
إن السودان اليوم أحوج ما يكون إلى هذا النوع من الوزراء المقاتلين الذين يجيدون استخدام المنبر والميكرفون كما يجيد الجندي استخدام سلاحه. وقد أثبت الإعيسر أنه رجل المرحلة حين حول وزارة الثقافة والإعلام والآثار والسياحة من وزارة مهمشة في نظر البعض إلى وزارة قيادة وتوجيه وصناعة للوعي الوطني.
إن دعوته الأخيرة للدول الصديقة لدعم الحوار السوداني السوداني وتهيئة الظروف لصيغة تاريخية للتراضي الوطني ليست مجرد جملة إنشائية، بل هي مشروع وطني متكامل أساسه أن السلام الحقيقي لا يصنع في الخارج، بل يصنع بالحوار بين أبناء الثقافة الواحدة والمصير الواحد.
لقد كسب السودان معركة باكو الثقافية بفضل دبلوماسية إعلامية وطنية يقودها خالد الإعيسر بثبات واقتدار.
علاء الدين محمد أبكر
alaam9770@gmail.com



