Uncategorized
استهداف المنشآت المدنية السودانية جريمة حرب بقلم: علاء الدين محمد ابكر

استهداف المنشآت المدنية السودانية جريمة حرب
بقلم: علاء الدين محمد ابكر
إن ما يشهده السودان اليوم من استهداف ممنهج ومقصود للمنشآت المدنية الخدمية، وعلى رأسها محطات توليد ونقل الكهرباء ومحطات المياه ومستودعات الوقود والمستشفيات، لم يعد مجرد اعتداء عابر في سياق حرب، بل هو جريمة حرب مكتملة الأركان، وجريمة ضد الإنسانية، وعقاب جماعي محرم دوليا يهدف إلى تركيع الشعب السوداني بأكمله.
فالقانون الدولي الإنساني واضح وضوح الشمس في هذا الباب، حيث تنص المادة 54 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977 على حظر مهاجمة أو تدمير أو تعطيل أو نقل الأعيان والمواد التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة، ومنها مرافق مياه الشرب وشبكات الري ومحطات الكهرباء. كما تنص المادة 52 من نفس البروتوكول على أن الأعيان المدنية لا يجوز أن تكون محلا للهجوم، وأن الهجمات يجب أن تقتصر حصرا على الأهداف العسكرية.
بل إن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في مادته الثامنة يعتبر تعمد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين أو ضد الأعيان المدنية أو ضد المنشآت التي لا تخدم أغراضا عسكرية، يعتبرها جريمة حرب تستوجب المساءلة الجنائية الفردية لمرتكبيها ومن يقف وراءهم تمويلا وتسليحا وتخطيطا.
فما ذنب المواطن السوداني البسيط في الخرطوم أو أم درمان أو عطبرة أو دنقلا أو بورتسودان حتى تقطع عنه الكهرباء لأيام وأسابيع في ظل حرارة تتجاوز الخمسين درجة، فيتعطل عمله وتفسد أدويته ويتوقف أطفاله عن الدراسة ويتوقف المرضى في المستشفيات عن تلقي العلاج وتتعطل غرف العمليات وحضانات الأطفال وثلاجات بنك الدم، هل هذا عمل عسكري، أم هو إرهاب ممنهج يراد به كسر إرادة الأمة السودانية.
إن العدو الذي فشل في مواجهة قواتنا المسلحة في الميدان، وفشل في تحقيق أي نصر عسكري يذكر، لجأ اليوم إلى سلاح الجبناء، سلاح الطائرات المسيرة الانتحارية بعيدة المدى التي تنطلق من خارج الحدود، لتستهدف البنية التحتية للشعب السوداني، ظنا منه أن ذلك سيدفع الشعب للضغط على جيشه أو للاستسلام، وهو واهم، فالشعب السوداني التف حول جيشه أكثر من أي وقت مضى، وأصبح أكثر وعيا بأن هذه الحرب ليست حربا بين جنرالين كما يروج الإعلام المضلل، بل هي حرب وجود ضد مشروع تفكيك السودان وتدمير دولته.
إن الصمت على هذا العدوان لم يعد مقبولا، ولا ينبغي للحكومة السودانية أن تتعامل مع هذا الملف بخجل دبلوماسي. فمن حق السودان بل من واجبه القانوني والأخلاقي أن يرفع شكوى عاجلة ومفصلة ومدعومة بالأدلة الدامغة إلى مجلس الأمن الدولي، وإلى الأمين العام للأمم المتحدة، وإلى الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي.
ويجب أن تتضمن الشكوى تقريرا فنيا مفصلا يثبت تتبع مسار انطلاق الطائرات المسيرة، وتحديد نقاط انطلاقها، ونوعها، ومداها، ومصدر تزويدها، والدول التي سهلت مرورها أو وفرت لها الدعم اللوجستي والفني والأقمار الصناعية. فاليوم لا يمكن إخفاء مثل هذه الجرائم، فالأقمار الصناعية ترصد، والرادارات تسجل، وبقايا المسيرات نفسها تتحدث عن مصدرها ومنشئها.
كما يجب على السودان أن يطالب بتشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة، وأن يحتفظ بحقه الكامل في الرد المشروع وفقا للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تكفل حق الدفاع الشرعي عن النفس، وأن يلوح بوضوح بأن يد السودان طويلة وقادرة على الوصول إلى حيث ينطلق العدوان، وبأن مبدأ رد الصاع صاعين هو مبدأ مشروع في أعراف الحروب.
إن الدول المتورطة في هذا العدوان الغاشم، سواء بالتمويل أو بالتسليح أو بفتح أراضيها منصة لإطلاق المسيرات، يجب أن تدرك أنها ترتكب حماقة استراتيجية كبرى، وأنها تفتح على نفسها بابا من الجحيم لن تستطيع إغلاقه، فالسودان ليس دولة بلا تاريخ ولا بلا جيش ولا بلا شعب، السودان دولة ضاربة في جذور التاريخ، وشعبه شعب صبور وحليم، لكنه إذا غضب فلا يبقي ولا يذر.
لقد ظن هؤلاء أن قطع الكهرباء سيظلم السودان، ولم يدركوا أن السودان في ظلامه يرى أكثر، وأن عتمة المحطات ستضيء عزيمة الرجال، وأن كل بيت أظلم سيخرج منه مقاتل يدافع عن كرامة هذا الوطن.
نقولها بوضوح، إذا رأيت أنياب الليث بارزة فلا تظنن أن الليث يبتسم، وإذا رأيت صمت السودان وصبره فلا تظنن أنه ضعف، إنما هو صمت الحكيم الذي يزن الأمور بميزان الذهب، فإذا حان وقت الحساب، فالحساب سيكون عسيرا، وسيندم المعتدون يوم لا ينفع الندم.
علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com



