Uncategorized
الرقشة في مدني.. من وفرة المواصلات إلى مشقة المشاوير بقلم: أمين محمد الجاك عامر – المحامي

الرقشة في مدني.. من وفرة المواصلات إلى مشقة المشاوير
بقلم: أمين محمد الجاك عامر – المحامي
في السنوات الأخيرة التي سبقت قيام الحرب، ظهرت الرقشة في مدينة ود مدني، وسرعان ما أصبحت وسيلة النقل المفضلة والمحببة لدى الكبار والصغار. وأسهمت في معالجة مشكلة الترحيل إلى المدارس وأماكن العمل، إذ كانت متاحة للجميع وفي مختلف الأوقات والأحياء. بأسعار في متناول اليد ولم تقتصر أهميتها على كونها وسيلة للمواصلات، بل أصبحت مصدر دخل للعديد من الأسر، وأحد المشاريع الاستثمارية الناجحة التي أقبلت البنوك على تمويلها، ووجدت فيها فرصة استثمارية مجزية.
ومع انتشارها،اختفت سيارات التاكسي ذات اللون الأحمر من شوارع المدينة، ويقال إنها انتقلت للعمل في الأرياف، متنقلة بين القرى. ومن مظاهر انتشار الرقشات آنذاك، أننا أصبحنا نشاهد مواكب الأعراس وحفلات تخريج رياض الأطفال والمدارس وهي تستخدمها في تنقلاتها، لرخص تكلفتها وسهولة الحصول عليها. حتى أصبحنا نمزح أحياناً بأننا نخشى على الناس من قلة الحركة والمشي، بعد أن غدت الرقشة متاحة حتى للمشاوير القريبة.
لقد عاش الناس آنذاك في دعة ورغد من العيش، وكانت المواصلات ميسرة إلى حد بعيد؛ فما إن ترفع يدك طالباً رقشة حتى تجد أكثر من واحدة تتوقف أمامك. وامتد أثر هذا النشاط إلى مجالات أخرى، فانتشرت محلات بيع الإسبيرات وورش صيانة الرقشات والتكاتك، ووفرت فرص عمل ومصادر رزق، وأسهمت في الحد من البطالة وسط الشباب.
وكان سعر شراء الرقشة الجديدة لا يتجاوز المليون جنيه في أعلى تقدير، أما اليوم فقد تجاوز سعرها الأربعين مليون جنيه، واختفت تقريباً من شوارع المدينة، فعاد الناس إلى الاعتماد على أرجلهم في الذهاب إلى المدارس وأماكن العمل وقضاء احتياجاتهم اليومية.
أما تكلفة المشوار داخل المدينة لمسافة أربعة كيلومترات، فقد أصبحت تصل إلى عشرة آلاف جنيه، في حين يُقال إن تذكرة البص إلى الخرطوم تبلغ مائة ألف جنيه للفرد.
هكذا تبدلت الأحوال، وأصبحت وسيلة النقل التي كانت في متناول الجميع صعبة المنال، وتحولت المشاوير اليومية البسيطة إلى عبء إضافي على كاهل المواطنين.
إن عودة الرقشات إلى شوارع ود مدني لم تعد مجرد حنين إلى أيام مضت، وإنما أصبحت ضرورة تفرضها ظروف الحياة اليومية وحاجة المواطنين إلى وسيلة نقل ميسورة التكلفة. ونأمل أن تجد هذه المسألة اهتماماً من حكومة الولاية والجهات المصرفية والتمويلية، من خلال وضع برامج تمويلية ميسرة لشراء الرقشات، وتشجيع الشباب والأسر على الاستثمار في هذا النشاط، إلى جانب توفير الإسبيرات ومراكز الصيانة، وتخصيص محطات وقود لخدمة الرقشات وتسهيل حصولها على احتياجاتها من الوقود.
فالأمر لا يتعلق بتوفير وسيلة للمواصلات فحسب، بل بإحياء نشاط اقتصادي متكامل كان يستوعب أعداداً كبيرة من العاملين، ويوفر مصادر دخل للأسر، ويسهم في الحد من البطالة وتخفيف أعباء التنقل داخل المدينة.
وكتبت هذه الكلمات وأنا واقف في انتظار رقشة تقلني إلى وجهتي، في مشهد لم أكن أتخيل أن أعيشه في مدني؛ المدينة التي اعتدنا فيها أن نرفع أيدينا فتتسابق الرقشات للتوقف أمامنا!
يا لها من مفارقة بين مدني الأمس ومدني اليوم!



